العائلة المشعوذة – الجزء الرابع

بالعودة إلى البدايات، حيث لم يكن ربّ العائلة المشعوذة قد ارتدى بعد قناع الوقار الزائف، تتكشف صورة أشدّ قتامة مما نراه اليوم. كان في شبابه عازباً، طليق اليدين في العبث، لا يردعه وازع أخلاقي ولا تحدّه حدود عائلية أو إنسانية. لم يكن يتوانى عن انتهاز أي فرصة للنصب أو الاستغلال، وكأن العالم بالنسبة له مجرد مسرح مفتوح لتجارب أنانيته.
في بيت والديه، حيث يفترض أن يسكن الاحترام والحنان، كان المشهد مختلفاً. استغلّ والديه وإخوته بلا رحمة، محوّلاً المنزل إلى مساحة لخدمة نزواته. كان يدعو النساء بلا حرج، كما يقيم الولائم للتجّار وأصحاب المال، لا من كرمٍ أصيل، بل من رغبة في التباهي وبناء علاقات قائمة على المصلحة المحاولة الحثيثة لنصب الآخرين. كانت تلك الولائم تُقام على حساب تعب والديه المسنّين، اللذين أنهكهما العطاء القسري، بينما هو ينفق بسخاء على الغرباء، كأنّ المال ليس إلا وسيلة لإشباع غرورٍ لا حدّ له.
وإذا قصّرت الأم يوماً، أو عجزت عن تلبية متطلباته المتزايدة، لم يكن يتردد في توبيخها وإهانتها علنا أو إظهار امتعاضه مها، ناسياً أو متناسياً أنها امرأة أثقلها العمر والخدمة. ومع مرور الوقت، تحوّلت تلك الضغوط اليومية إلى عبء نفسي وجسدي لا يُحتمل.
لكن الذروة المأساوية جاءت حين أقنع والديه بترك البيت المستأجر، بحجة الحصول على تعويض من المالك. لم يكن هدفه تحسين وضعهما، بل الاستيلاء على التعويض لنفسه. وبالفعل، قبض المال، ووضعه في جيبه، ثم ترك والديه يواجهان مصيراً قاسياً في قبوٍ رطبٍ وقذر، تحت مستوى الطريق، حيث الرطوبة والجرذان وروائح الصرف الصحي.
هناك، في ذلك المكان الذي لا يليق بالبشر، انتهت حياة الأم اختناقاً، بعد أن أنهك المرض رئتيها. وبعد فترة قصيرة، لحق بها الأب، الذي كان قد أفنى عمره تاركا لأبنائه عدة عقارات، قبل أن تُنتزع منه الكرامة في أيامه الأخيرة. تلك الثروة التي استولى عليها الابن دون وازع، وكأنها حق مكتسب لا يرقى إليه الشك.
لم تكن تلك الأحداث سوى فصل من فصول سيرة مظلمة، استمرّت حتى بعد زواجه. تغيّرت الأدوار، لكن النهج بقي ذاته: استغلال، قسوة وغياب شبه كامل لأي شعور إنساني. أنجب بنات وابنا، لكن ذلك لم يبدّل في طباعه، بل استمر في إعادة إنتاج السلوك ذاته، كأنّ ما ترسّخ في داخله لا يمكن اقتلاعه.
في هذه السيرة، لا تبدو المأساة في الأفعال وحدها، بل في الاستمرارية… في ذلك العجز عن التغيير، وفي ذلك الفراغ الإنساني الذي يبتلع كل ما حوله دون أن يشبع.
يتبع
مقالات | ARTICLES
سليمان فرنجية.. بين ضغط الخارج واحتضان الداخل
القبيحة صاحبة القوس – الحلقة الثانية
من الرابح والخاسر بين الأحزاب المسيحية بعد التفاهم الأميركي – الإيراني؟
العائلة المشعوذة – الحلقة الثالثة عشرة: طباع الشاندالا





