غسّان عازار... الصحافي المخضرم الذي جعل من المهنة مدرسةّ ومن البترون منبراً

في زمنٍ تتسارع فيه الصحافة وتيرةّ ووسائل، وتتبدّل أدواتها من الورق إلى الشاشة ومن الخبر التقليدي إلى الصحافة الرقميًة، يبقى بعض الصحافيًين أوفياء لجوهر المهنة: الكلمة المسؤولة، والمعلومة الدقيقة، والحضور المهني، والقدرة على تحويل الصحافة إلى رسالة تتجاوز حدود الخبر.
ومن أبرز هؤلاء الصحافي البتروني ابن بلدة بقسميًا المعروفة بأمجاد أهلها وطبيعتها وتاريخها؛ الأستاذ غسّان عازار، الذي يمكن وصفه بأنّه من الصحافيّين القلائل المتبقّين بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ أي أولئك الذين راكموا الخبرة، وعرفوا أصول المهنة، وعاشوا مراحلها المختلفة، وبقي القلم عندهم أداة معرفة وخدمة عامًة، لا مجرًد وسيلة للشهرة.
بعد مسيرة طويلة في أهمّ الصحف اللبنانيّة وكموظّف نشط في الوكالة الوطنيّة للإعلام في مكتب البترون؛ تولّى عازار رئاسة تحرير مجلًة «صوت البترون»، كما ظهر في مناسبات نقابيًة وإعلاميًة ممثًلاً لنقيب المحرًرين، وهو ما يعكس حضوراً مستمرًاً في الوسط الصحافي اللبناني.
وفي مختلف المراحل؛ ارتبط اسم غسًان عازار بمنطقة البترون، ليس باعتبارها مجرّد مكان جغرافي، بل باعتبارها قضيّةّ ثقافيّةّ واجتماعيّةّ وإنمائيّةّ تستحقّ أن يكون لها صوت.
فهو لم يحصر اهتمامه بالخبر السياسي العابر، بل كان حاضراً في الندوات واللقاءات الثقافيّة والإنمائيّة، وشارك في إدارة ندوات تناولت قضايا أساسيّةّ للمنطقة، ومنها ندوة حول المنطقة الاقتصاديّة الحرّة في البترون عام 2015.
كما ارتبط اسمه بفعاليّات ثقافيّة وفنيّة في المنطقة، وشارك في نشاطات «منتدى البترون للثقافة والتراث»، وفي لقاءات جمعت الإعلاميّين بالمثقّفين والشعراء بالفنّانين.
إلى ذلك فقد ألّف عدداّ من الكتب المميًزة ومنها "الدرّ المكنون في بلاد البترون" بالاشتراك مع الدكتور جورج قبلان؛ وكتاب "منطقة البترون خلال الحرب العالميّة الأولى".
وهنا تكمن إحدى أهمً خصائص تجربته: الصحافة بالنسبة إليه ليست نقل الأحداث فحسب، بل صناعة ذاكرة للمنطقة وأهلها.
الصحافة عنده أكثر من مهنة لكسب العيش؛ فالصحافي الحقيقي لا يُقاس بعدد الأخبار التي كتبها فقط، بل بالأثر الذي تركه في مجتمعه.
وغسًان عازار ينتمي إلى جيل من الصحافيّين الذين عرفوا أنّ الصحافة مسؤوليّة قبل أن تكون وظيفة. لذلك نجده حاضراً في الشأن الثقافي والاجتماعي والإنمائي، ومتابعاً لقضايا البترون، ومشاركاً في اللقاءات التي تهدف إلى تنشيط الحياة الثقافيًة والفكريًة فيها.
ومن اللافت أنّ اسمه ورد في سياقات مرتبطة أيضاً بالعمل الأهلي والإنمائي في المنطقة؛ فقد شارك - مع شخصيًات ثقافيّة واجتماعيّة - في تأسيس رابطة البترون الإنمائيّة والثقافيّة، التي لعبت دوراً في النشاط الثقافي والاجتماعي والخدماتي في المنطقة.
كما أنًه من أبرز معالم مجموعة "حديقة الشعراء" في جران.
وهذا الجانب مهمّ في تقييم تجربته، لأنًه يدلً على أنّ هذا الصحافي لم يكن منفصلاً عن مجتمعه، بل كان جزءاً من حركته الثقافيّة والإنمائيّة.
وفوق هذا وذاك لم يغب العمل الخيري والإنساني عن نشاطه؛ فهو فاعل في منظّمة الصليب الأحمر - فرع البترون وناشط في فعاليّاتها المتعدّدة.
إنّ ذاكرة المنطقة من ذاكرة الصحافي؛ فهو الصحافي العتيق الذي يعرف أنّ بعض الأخبار تموت بعد أيّام، بينما تبقى بعض القضايا والوثائق والكتب شاهدةّ على التاريخ والمكان.
وفي هذا السياق، ارتبط اسم غسّان عازار بمواضيع تتعلّق بتراث البترون وتاريخها، ومنها كتاب «نهر الجوز: طواحين وآثار»، الذي استُشهد به في مجلّة الجيش اللبناني في حديث عن وادي نهر الجوز وطواحينه وآثاره.
وهذا النوع من العمل الصحافي والثقافي هو الذي يجعل الصحافي جزءاً من ذاكرة المنطقة، لا مجرّد شاهد على أحداثها.
وقد يكون أهمّ ما يمكن أن تقدًمه تجربة غسان عازار للصحافيّين الشباب هو درس بسيط وواضح:
الصحافة ليست سرعة نشر الخبر، بل القدرة على فهم الخبر ووضعه في سياقه.
فالصحافي الشابّ يستطيع اليوم أن يصل إلى المعلومة خلال ثوانٍ، وأن ينشرها خلال دقائق، وأن يجمع آلاف المتابعين خلال فترة قصيرة. لكنّ التكنولوجيا لا تمنحه بالضرورة الخبرة، ولا الحسّ الصحافي، ولا القدرة على التمييز بين المهمّ والعابر، ولا الجرأة الأخلاقيّة على قول الحقيقة.
وهنا تأتي قيمة الصحافي المخضرم.
إنّ تجربة غسّان عازار تقول للجيل الجديد إنّ الصحافة تحتاج إلى القراءة، والصبر، والعلاقات الإنسانيًة، ومعرفة الناس، واحترام الوقائع، والابتعاد عن الاستسهال.
فالصحافي الذي يعرف من أين جاءت القصّة، ومن يقف خلفها، وما الذي تعنيه للناس، يختلف عن الصحافي الذي يكتفي بنقل ما يراه على شاشة هاتفه.
إلى ذلك فليس المقصود بالصحافي «العتيق» بالإشارة إلى عازار؛ أنّه ينتمي إلى زمن مضى، بل أنّه ينتمي إلى مدرسة صحافيّة أصيلة.
فالصحافة القديمة التي تقوم على التحقيق والتدقيق والسؤال والمتابعة لا تتناقض مع الصحافة الرقميًة الحديثة. بل إنّ الإعلام الجديد يحتاج إليها أكثر من أيّ وقت مضى، بسبب انتشار الأخبار الكاذبة، وسرعة تداول الشائعات، وتحوّل وسائل التواصل الاجتماعي إلى مصدر رئيسي للمعلومات.
وهنا يستطيع الصحافيًون المخضرمون، أمثال غسّان عازار، أن يقدّموا للشباب ما لا تمنحه التكنولوجيا: خبرة الميدان وخبرة معرفة الناس وفهم المجتمع والتمييز بين الخبر والدعاية، وبين المعلومة والرأي، وبين الصحافة الحقيقيّة والترويج.
غسّان عازار.. مدرسة قبل أن يكون اسماً.
فهو يمثّل نموذج الصحافي الذي بقي قريباً من منطقته، حاضراً في مناسباتها، مهتمّاً بتراثها وثقافتها وشؤونها العامّة، وحريصاً على أن تكون للبترون مساحة في الإعلام اللبناني.
والأجمل في تجربته أنّ الصحافي لا يعيش فقط من الأخبار التي يكتبها، بل من الثقة التي رسّخها مع الناس.
وهذه الثقة هي رأس مال الصحافي الحقيقي.
لذلك، يمكن للصحافيّين الشباب في البترون (ولبنان) أن ينظروا إلى غسّان عازار باعتباره نموذجاً للصحافي الذي يجمع بين الخبرة والحضور والثقافة والانتماء إلى قضايا المجتمع.
ربيع داغر



