تفاهمات روما تبلور الوضعيًة المستقبليًة لحزب الله
إذا صحّت التسريبات المتداولة حول نتائج لقاءات روما، وما سبقها من مباحثات في واشنطن، فإنً المشهد اللبناني يكون قد دخل مرحلةّ سياسيةّ وأمنيًةّ جديدة، عنوانها الانتقال من مقاربة تقوم على السعي إلى تغيير شامل للواقع العسكري في لبنان، إلى مقاربة أكثر واقعيًةّ تقوم على إدارة هذا الواقع واحتوائه.
فالحديث عن ترتيبات أمنيًة تبدأ بمناطق عازلة أو مناطق تجريبيًة، تتولًى فيها الدولة اللبنانية مسؤوليًات أمنيًةّ محدًدةّ بالتنسيق مع الجهات الدوليًة، يحمل في طيًاته دلالات تتجاوز الجانب الميداني. إذ إنً حصر الالتزامات اللبنانيًة ضمن نطاقات جغرافيًة معيًنة، من دون ربطها بخطًة شاملة لنزع سلاح حزب الله في كامل الأراضي اللبنانيًة، يفتح الباب أمام قراءة مفادها أنً المجتمع الدولي بات يتعامل مع الملفً بمنطق إدارة المخاطر، لا بمنطق فرض حلول نهائيًة.
وفي هذا السياق، تبدو مفاوضات واشنطن ثمً لقاءات روما وكأنًها أرست معادلةّ جديدة، قوامها تحقيق الاستقرار في المناطق الحدوديًة ومنع الاحتكاك العسكري المباشر، مقابل تأجيل البحث في الملفاًت الأكثر تعقيدًا، وفي مقدًمها مستقبل سلاح حزب الله ودوره داخل المعادلة اللبنانيًة.
ولا يعني ذلك بالضرورة اعترافًا قانونيًا أو سياسيًا بالحزب كقوًة عسكريًة مستقلًة، لكنًه قد يعكس اعترافًا عمليًاّ بحدود القدرة على تغيير الوقائع القائمة في المدى المنظور. فالدبلوماسيًة الدوليًة كثيرًا ما تلجأ إلى الحلول المرحليًة عندما تتعذًر التسويات الشاملة، فتسعى إلى تثبيت الاستقرار حيث أمكن، بدل الإصرار على أهداف يصعب تحقيقها في الظروف الراهنة.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم التركيز على إنشاء مناطق آمنة أو عازلة باعتباره محاولة لعزل الجبهة الحدوديًة عن بقيًة الجغرافيا اللبنانيًة، بما يسمح بتطبيق ترتيبات أمنيًة محدًدة في تلك المناطق، فيما يبقى النقاش حول بقيًة الأراضي اللبنانيًة مؤجًلًا إلى مرحلة سياسيًة لاحقة.
هذا التحوًل، إن تأكًدت معالمه، يكرًس انتقالًا من سياسة المواجهة المفتوحة إلى سياسة الاحتواء، ومن البحث عن تغيير جذري في موازين القوى إلى إدارة التوازنات القائمة. وهو ما قد يفسًر تراجع الخطاب الدولي الذي كان يربط أيً تسوية داخل لبنان بمعالجة شاملة لسلاح حزب الله، لمصلحة خطاب أكثر تركيزًا على تثبيت وقف إطلاق النار ومنع التصعيد. وبالمجمل فإنً الحكم على ما إذا كانت لقاءات روما قد بلورت بالفعل وضعيًةّ ثابتةّ لحزب الله سيظلً رهنًا بما سيصدر لاحقًا من تفاهمات معلنة، وبكيفيًة تطبيق أيً نوع من الترتيبات الأمنيًة على الأرض.
ربيع داغر



