ثقافات
البحر الذي يتذكّر أكثر منا
في البترون، البحر لا ينام…
هو فقط يُغمض عينيه قليلاً
ليحلم بنا.
نزلتُ الدرج الحجري القديم،
وكانت الخطوات
تصدر صوتاً
كأنها توقظ شيئاً تحت الأرض…
شيئاً لم يُغادر منذ قرون.
الماء هادئ
هادئ أكثر مما يجب،
كأنّه ينتظر…
ليس العاصفة،
بل اسماً.
قلتُ اسمي بصوتٍ منخفض،
فارتجف السطح،
وخرجت دوائر
تشبه وجوهاً
تحاول أن تتذكّر.
هناك، حيث يلتقي الحجر بالملح،
شعرتُ بأن الزمن
يتآكل ببطء…
وأن البحر
يجمع ما نسيناه
ويعيد ترتيبه
في أعماقه.
رأيتُ ظلالاً
تمشي تحت الماء:
هي ليست أسماكاً…
وليست بشراً…
كانت تشبهنا
لكنها أقدم.
واحدٌ منها
رفع رأسه نحوي،
وكانت عيناه
فارغتين
إلا من صور:
بيوت قديمة،
أصوات ضحك،
وأسماء لم يعد أحد ينطقها.
وفي سوق البترون القديم،
الليل لا يمرّ…
هو يتكرّر.
الوجوه نفسها،
الخطوات نفسها،
لكن الأرواح
تتبدّل.
ووصلت فلمستُ الماء:
شعرتُ أن يدي
لم تعد لي…
كأن شيئاً
في الداخل
أمسك بها
برفقٍ مخيف.
قال لي البحر:
“أنت لا تتذكّر…
لكنني أتذكّر عنك”.
تراجعتُ،
لكن صوت الموج
تبعني…
ليس كصوتٍ،
بل كتنفّس
قريب جداً.
ومنذ تلك الليلة،
كلما نظرتُ إلى البحر،
أراه هادئاً كما كان…
لكني أعرف
أن تحته
مدينة أخرى…
مدينة تنتظر أن ننسى أكثر
لكيما تعود.
ربيع داغر