ذكرى عيد الأب في ظل ابتعاد الأبناء: حين يصبح الغياب سكناً والحزن رفيقاً دائماً

يطلّ عيد الأب هذا العام على لبنان حاملاً معه وجعاً يفوق كل هدية، وصمتاً أثقل من كل الكلمات. ففي بيوت كثيرة لم يعد ينقص الاحتفال قالب حلوى أو باقة زهور، بل ينقصه الابن الذي هاجر، والابنة التي حملتها الغربة بعيداً، والأحفاد الذين أصبحوا وجوهاً تُرى عبر شاشات الهواتف لا بين جدران المنزل.
في هذا اليوم، يجلس كثير من الآباء أمام أبواب بيوتهم أو على شرفاتهم، تحدّق أعينهم في الطرقات التي حفظت خطوات أبنائهم منذ الطفولة. تمرّ الساعات بطيئة، فيما يعود شريط الذكريات ليملأ المكان: أول يوم مدرسة، أول نجاح، أول وظيفة، وأول وداع في المطار... ذلك الوداع الذي ظنّ الجميع أنه مؤقت، فإذا به يمتد سنوات طويلة.
لم تعد الهجرة في لبنان مجرد خيار شخصي أو مغامرة بحثاً عن مستقبل أفضل، بل أصبحت قدراً فرضته الأزمات الاقتصادية وضيق سبل العيش وانسداد الآفاق. آلاف الشباب حملوا حقائبهم، وتركوا وراءهم آباءً وأمهات يخفون دموعهم خلف كلمات التشجيع والدعاء، فيما كانت قلوبهم تتمزق مع كل طائرة تقلع بعيداً.
ومع كل مغادر، يخسر البيت شيئاً من دفئه. تبقى الغرفة مرتبة كما كانت، وتظل الثياب معلقة في الخزانة، وتبقى الصور على الجدران شاهدة على زمن كانت فيه العائلة تجتمع حول مائدة واحدة. أما اليوم، فقد تحولت تلك المائدة إلى مقاعد فارغة، وإلى مكالمات فيديو لا تستطيع أن تنقل حرارة العناق ولا رائحة القهوة التي كان الأب يعدّها لأبنائه صباح الأعياد.
في القرى اللبنانية تبدو المأساة أكثر وضوحاً. شوارع كانت تعج بالشباب صارت هادئة إلى حد الكآبة، ومنازل كانت تضج بالضحكات باتت تفتح أبوابها في المناسبات على صمت ثقيل. الأشجار ما زالت في أماكنها، والبيوت ما زالت قائمة، لكن الأرواح التي كانت تمنحها الحياة سافرت، تاركة خلفها قلوباً تنتظر.
وفي عيد الأب تحديداً، تتجسد أكثر صور التضحية ألماً. ذلك الأب الذي أمضى عمره يعمل ويكدح ليؤمن مستقبلاً أفضل لأبنائه، يجد نفسه في نهاية المطاف وحيداً، يعدّ الأيام بين اتصال وآخر، ويفرح بصوت يأتي من خلف البحار كما لو أنه زيارة حقيقية. يبتسم أمام الكاميرا كي لا يقلق أبناءه، ثم يطفئ الهاتف لتعود الوحدة فتجلس إلى جانبه من جديد.
الرسائل الإلكترونية، مهما كانت مليئة بالمحبة، لا تعوّض قبلة على الجبين، ولا مصافحة دافئة، ولا جلسة عائلية يختلط فيها الحديث بالضحك. فالحنين لا تشبعه الصور، والاشتياق لا يهدئه الإنترنت، والقلب يبقى معلقاً بلقاء قد تؤجله ظروف العمل أو الإقامة أو الغربة عاماً بعد عام.
إن كلفة الهجرة لا تُقاس فقط بالأرقام الاقتصادية أو بحجم التحويلات المالية التي تصل إلى الوطن، بل تُقاس أيضاً بعدد الآباء الذين يحتفلون بأعيادهم على أمل أن يرن جرس الباب فجأة، وبعدد الأمهات اللواتي يتركن مقعداً فارغاً على المائدة كأن أبناءهن سيعودون بعد دقائق.
ويبقى الأب، رغم كل شيء، صلباً كعادته، يخفي انكساره خلف دعوات صامتة بأن يحفظ الله أبناءه حيثما كانوا، وأن يرزقهم النجاح والأمان. لكنه في أعماقه لا يتمنى ثروة ولا منصباً ولا شهرة، بل يتمنى لحظة بسيطة يجتمع فيها أولاده حوله، يسمع ضحكاتهم في أرجاء المنزل، ويشعر أن سنوات العمر لم تسرقه منهم.
في هذا العيد، قد تكون أجمل هدية للأب ليست ساعة فاخرة ولا هاتفاً جديداً، بل زيارة مفاجئة، أو عناقاً طال انتظاره، أو حتى وعداً صادقاً بأن الغربة لن تسرق ما تبقى من العمر.
ويبقى السؤال الذي يؤلم كل بيت لبناني: كم من الآباء سيرحلون قبل أن يعود أبناؤهم؟ وكم من وطن يستطيع أن يحتمل نزيف شبابه قبل أن تتحول بيوته إلى أماكن جميلة في شكلها، لكنها موحشة في أرواحها؟
عيد الأب ليس مجرًد مناسبة للاحتفال، بل هو تذكير مؤلم بأنً المجتمعات التي تدفع أبناءها إلى الرحيل تترك في قلوب آبائهم فراغاً لا تملؤه المسافات ولا تعوًضه السنوات.
ربيع داغر





