القبيحة صاحبة القوس – الحلقة الثانية
مرت السنوات على صاحبة القوس بطيئة كأنها تحمل أثقالاً لا يراها أحد. في طفولتها كانت تتجنب المرايا، لا لأنها تكره انعكاس صورتها فحسب، بل لأنها كانت تخشى أن ترى في عينيها أسئلةً لا تجد لها جواباً. كانت تمشي مطأطئة الرأس، تتجنب التجمعات، وتراقب من بعيد ضحكات الأطفال وهم يركضون في الأزقة.
كبرت الفتاة، لكن شعورها بالعزلة كبر معها. لم تكن قصر قامتها أو ملامحها سبب كل ما تعانيه، بل إن إحساسها الدائم بالرفض جعلها تنسج حول نفسها جداراً سميكاً من الشك وسوء الظن. وكلما تقدمت بها السنون، ازدادت قناعة بأن العالم لا يمنح فرصه إلا لمن يملكون الجمال أو الحظ.
وحين بلغت مرحلة الشباب، لم يلتفت إليها خاطب، ولم تجد من يشاركها أحلامها أو يخفف عنها وحدتها. كانت تراقب حفلات الزفاف من خلف النوافذ، ثم تعود إلى غرفتها لتقضي الليل في صمت طويل، حتى تحولت الخيبة إلى رفيقة دائمة.
ومع مرور الزمن أصبحت أكثر انغلاقاً، وبدأ التوتر المزمن ينعكس على صحتها. كانت تشكو من صداع متكرر، وأرق طويل، وخفقان مفاجئ في القلب، وآلام لا يجد الأطباء لها تفسيراً واضحاً. كان جسدها يعبّر عما أخفته روحها لسنوات من قلق وضيق وكبت.
وفي داخلها نما شعور مرير بالمقارنة مع النساء الأخريات، خصوصاً أولئك اللواتي يتمتعن بحضور لافت أو قامة ممشوقة أو ثقة بالنفس. كانت ترى في نجاحهن تذكيراً مؤلماً بما تعتبره إخفاقاتها، فيتحول الإعجاب إلى غيرة، ثم تتراكم الغيرة لتصبح حقداً دفيناً لا تصرح به، لكنه يظهر في كلماتها الساخرة ونظراتها القاسية.
ومع ذلك، ظل هناك جزء صغير من قلبها يقاوم هذا الظلام. ففي لحظات نادرة، كانت تتساءل إن كان ما أثقل حياتها هو نظرة الناس إليها، أم الصورة القاسية التي رسمتها هي عن نفسها حتى صدقتها بالكامل.
وهكذا استمرت صاحبة القوس في رحلتها، لا تصارع العالم وحده، بل تخوض معركة أشد قسوة داخل نفسها، حيث يختلط الألم بالمرارة، والوحدة والرغبة المخنوقة.







