البترون بين رحيل النازحين وإلغاء المهرجانات... اقتصاد يبحث عن نبض جديد
لطالما عُرفت البترون بأنها واحدة من أكثر المدن اللبنانية حيوية خلال فصل الصيف، حيث كانت تستقطب آلاف الزوار من داخل لبنان وخارجه، مستندة إلى مزيج من السياحة البحرية، والمطاعم، والمقاهي، والمهرجانات التي شكّلت على مدى سنوات رافعة اقتصادية للمدينة وأهلها.
لكن صيف هذا العام يبدو مختلفاً. فقد تزامن خروج القسم الأكبر من النازحين الذين كانوا يقيمون في المنطقة مع قرار إلغاء الحفلات الفنية ضمن مهرجانات البترون الدولية بسبب الظروف الأمنية والاستثنائية التي يمر بها لبنان، مع الإبقاء على بعض الأنشطة الثقافية ومهرجان الأفلام المتوسطية.
وقد يعتقد البعض أن مغادرة النازحين ستنعكس إيجاباً على الحركة الاقتصادية، إلا أن الواقع أكثر تعقيداً. فالنازحون، رغم أنهم شكّلوا ضغطاً على البنية التحتية والخدمات، كانوا في الوقت نفسه جزءاً من الدورة الاقتصادية اليومية، إذ كانوا يستأجرون المنازل، ويتبضعون من الأسواق، ويستهلكون السلع والخدمات، ما وفًر دخلاً لشريحة من التجار وأصحاب العقارات.
وفي المقابل، فإن إلغاء المهرجانات الفنية يحمل أثراً اقتصادياً مباشراً، لأنً هذه المناسبات لم تكن مجرد حفلات موسيقية، بل كانت محركاً لعجلة اقتصادية متكاملة. ففي كل موسم كانت الفنادق تمتلئ، والمطاعم تعمل بطاقتها القصوى، وتنتعش المقاهي، وترتفع مبيعات المتاجر، ويستفيد سائقو سيارات الأجرة وأصحاب المؤسسات السياحية من آلاف الزوار الذين يقصدون المدينة. وتشير تقارير اقتصادية إلى أن المهرجانات الصيفية في لبنان تشكل ركيزة أساسية لاقتصادات المدن المضيفة، وأنً إلغاءها ينعكس على مختلف القطاعات المرتبطة بالسياحة والخدمات.
اليوم، يجد أصحاب المؤسسات في البترون أنفسهم أمام موسم صيفي يفتقد أحد أهمً عناصر الجذب. فالمدينة لا تزال تمتلك مقوًمات سياحيةّ كبيرة، من شاطئها الجميل وأسواقها القديمة إلى مطاعمها ومشهدها الثقافي، لكنً غياب الزخم الذي كانت تصنعه المهرجانات قد يؤدًي إلى انخفاض في أعداد الزوار وفي حجم الإنفاق السياحي.
ويبقى الرهان على قدرة أبناء البترون وفعاليًاتها الاقتصادية والبلدية على ابتكار بدائل تنشًط الحركة التجارية، من خلال تنظيم فعاليات محلية وأسواق تراثية وأنشطة ثقافية ورياضية تستقطب الزوار وتعوًض، ولو جزئياً، غياب الحفلات الكبرى.
لقد أثبتت البترون في محطات عديدة أنها مدينة تعرف كيف تتأقلم مع الأزمات، لكنً التعافي الاقتصادي الحقيقي لن يتحقق إلا بعودة الاستقرار إلى لبنان، واستعادة الثقة بالقطاع السياحي، لأنً الاقتصاد المحلًي، مهما بلغت قوًته، يبقى مرتبطاً بالمناخ العامً الذي يحيط بالبلاد.





