ناجي البستاني... محامٍ لم تنل منه المدينة ولم تُبعده المهنة عن جذوره

في زمنٍ باتت فيه المهن، ولا سيًما مهنة المحاماة، تفرض على أصحابها إيقاعاً سريعاً وحياةً مدينيًةً بعيدةّ عن الأرض والجذور، يبرز المحامي ناجي البستاني نموذجاً مختلفاً؛ نموذج الإنسان الذي استطاع أن يجمع في شخصه بين صرامة القانون ودفء القرية، وبين بذور القلم وبذار الأرض، وبين المذاكرة القانونيًة والعمل في الزراعة.
هو ابن بلدة بجدرفل البترونيًة، الذي لم ينسلخ عن أصوله، ولم يبرح أراضيه، ولم يسمح للمهنة - بما تحمله من أضواء ومواعيد ومحاكم وملفًات - بأن تبعده عن بيئته الأولى. بقي وفيًاً للمكان الذي نشأ فيه، وللأرض التي يعرف تعبها، وللقيم التي حملها معه من القرية إلى قاعات المحاكم.
وفي مهنة المحاماة، حيث لا يكفي أن يعرف المرء نصوص القانون، تبرز شخصيًة المحامي الحقيقي المتمسًك بمبادئ الجدًية والمثابرة والوفاء. وهذه صفات تبدو واضحةّ في مسيرة ناجي البستاني، الذي يتعامل مع مهنته ببراعة المحامي الذي يعرف أنً وراء كلً ملفً إنساناً ينتظر العدالة، ووراء كل قضيًة حقًاً يجب الدفاع عنه.
هو محامٍ لا يحابي على حساب القانون، ولا يجعل الصداقة أو الاعتبارات الشخصيًة بديلاً عن النصً والحقً. فالمحاماة بالنسبة إليه ليست مجرًد مهنة، بل مسؤوليًة، والوفاء للموكًل ليس شعاراً يُرفع، بل التزام يُترجم بالعمل والمثابرة والمتابعة والدفاع.
لكنً أكثر ما يميًّز ناجي البستاني هو أنًه لم يسمح لمهنة المحاماة أن تفصله عن حياته الطبيعيًة؛ فهو يستطيع أن ينتقل من عالم الشكاوى القانونيًة والمرافعات والنصوص إلى عالم الأرض والعمل الريفي، من القلم والمذاكرة القانونيًة إلى المنجل والمعول، من أجواء المحاكم إلى تراب الأرض، من لغة الموادً القانونيًة إلى لغة الحقول التي لا تعرف إلًا التعب والعرق والصبر.
وهنا تكمن قيمة هذا الرجل: في قدرته على الجمع بين عالمين لا يلتقيان غالباً. فهو مدنيً في مهنته، قرويً في أصله؛ قانونيً في تفكيره، ابن أرض في سلوكه؛ يحمل القلم بيد، ولا يتردًد في حمل أدوات العمل بالأخرى.
إنًه نموذج للإنسان الذي لا يعتبر النجاح سبباً للتنكًر لجذوره، ولا يرى في المهنة الرفيعة ما يجعله أعلى من الأرض التي أنجبته؛ بل على العكس، يبدو أنً قربه من الجذور العميقة للشجرة والنبتة قد منحه شيئاً من صلابتها، وأنً حياة القرية علّمته ما لا تمنحه الكتب وحدها: الصبر، والاعتماد على النفس، والوفاء، والقدرة على مواجهة المشقًات.
المحامي ناجي البستاني هو الإنسان الذي يحمل قريته معه أينما ذهب. وفي زمنٍ ينسى فيه كثيرون أصولهم بمجرًد أن يصعدوا درجات الحياة، يبقى هو مثالاً لمن يصعد من دون أن يتنكًر للجذور، وينجح من دون أن ينسى الأرض، ويمارس مهنة القانون من دون أن يفقد بساطة ابن القرية وصدقه ونزاهته.
وهكذا، بين المحكمة والمزارع، بين حقل القانون وحقول الأرض، يواصل ناجي البستاني طريقه؛ محامياً مثابراً، وفيًاً لموكًله، صلباً في الدًفاع عن الحقً. يتمسًك بمهنة القانون من دون أن يبعد يديه عن تراب الأرض.


