العائلة المشعوذة – الحلقة السادسة عشرة بعنوان
"الصرماية العتيقة"

لكلً شيء في الحياة عمر افتراضي، فإذا انتهى عمره الطبيعي، إمًا أن يُرمى في سلًة المهملات، أو يُحفظ في زاوية منسيًة كشاهد على زمن مضى. إلًا أنً ربَّ العائلة المشعوذة يخالف هذه القاعدة؛ فهو يشبه الصرماية العتيقة التي انتهى زمانها، لكنًها ما زالت تُجرّ من مكان إلى آخر، لا تنفع صاحبها، ولا تريح من حولها.
من بعيد يبدو متماسكاً، لكنًًه - عند الاقتراب - تظهر التشقًقات التي ملأت سطحه، تماماً كما تتشقًق الصرماية البالية بعد سنوات من الاستعمال. يحاول أن يتجمًل بالكلام، غير أنً مظهره الحقيقي يفضحه، فلا يملك بريق الجديد، ولا حتًى هيبة القديم.
أمًا رائحته المعنويًة، فهي أشدً إزعاجاً من رائحة الصرماية التي امتصًت عرق السنين. أينما حلّ ترك وراءه أثراً ثقيلاً من النفاق والادعاء والمكر، حتًى أصبحت المجالس تضيق به قبل أن يجلس، والناس تتنفًس الصعداء إذا غادر.
ولأنً الصرماية العتيقة لا ترتفع عن الأرض مهما حاول صاحبها تلميعها، كذلك هو لا يرتفع إلى مستوى القيم ولا الأخلاق ولا الشهامة. يظنً أنً كثرة الضجيج تصنع مقاماً، وأنً رفع الصوت يغني عن رفعة السلوك، فيبقى أسيراً لصغائر الأمور، عاجزاً عن بلوغ المكانة التي لا تُنال إلًا بالصدق والاستقامة.
أمًا الأذى، فهو الصفة الملازمة له. فالصرماية المهترئة قد تجرح القدم، وتسبًب العثرات، وتؤلم صاحبها في كلً خطوة. وربً العائلة المشعوذة لا يكاد يمرً بمجلس أو بعلاقة أو قضيًة إلًا ويترك فيها جرحاً أو خصومةّ أو فتنة. فهو لا يعرف كيف يبني، بل يتقن الهدم، ولا يجيد الإصلاح، بل يبرع في إثارة الخلافات.
والأغرب من ذلك أنًه يظنً نفسه قطعةّ نادرة، بينما الحقيقة أنً الجميع ينتظر اللحظة التي يُستبدل فيها بما هو أصلح وأنظف وأنفع. فالقيمة ليست في طول البقاء، بل في جودة الأثر، والإنسان يُقاس بما يتركه من خير، لا بما ينشره من أذى.
وهكذا يبقى ربً العائلة المشعوذة شبيهاً بالصرماية العتيقة: مهترئ الشكل، كريه الأثر، وضيع المقام، دائم الإضرار بمن حوله، يرفض الاعتراف بأنً الزمن تجاوزه.
يتبع


