من "العونية" إلى "الباسبلية": تسمية تحمل خلفيات

لم تعد تسمية “العونيين” تكفي لتوصيف جمهور جبران باسيل داخل البيئة البرتقالية، وخصوصاً في البترون. فخلال السنوات الأخيرة، بدأ يتكرّس تدريجياً تعبير “الباسيليين” في الخطاب المناصر للتيار، في إشارة ليست لغوية فحسب، بل سياسية وتنظيمية ونفسية أيضاً. وهذه التسمية تحمل في طياتها تحوّلاً عميقاً داخل بنية “التيار الوطني الحر”، له اتجاهان واضحان ومتكاملان:

الاتجاه الأول يتمثل في انتقال مركز الزعامة الرمزية داخل التيار من ميشال عون إلى جبران باسيل. فـ”العونية” تاريخياً ارتبطت بشخصية عون بوصفه “الزعيم المؤسس”، وقائد مرحلة المواجهة مع الوصاية السورية، ورمز خطاب “الإصلاح والتغيير”. لكن الزمن السياسي تبدّل: خرج عون من الرئاسة، وتراجع حضوره المباشر في الحياة العامة، فيما بات باسيل يمسك فعلياً بمفاصل القرار الحزبي والتنظيمي والنيابي. 

من هنا، فإن استخدام تعبير “الباسيليين” لا يعكس مجرد ولاء لرئيس حزب، بل يؤشر إلى محاولة إنتاج شرعية جديدة داخل التيار، يكون فيها باسيل المرجعية الأولى، لا مجرد وريث سياسي لعون. وكأن التسمية تعلن - بصورة غير مباشرة - أن “العهد العوني” أصبح جزءاً من الماضي السياسي أو من الذاكرة التأسيسية، فيما المرحلة الحالية هي “المرحلة الباسيلية” بكل ما تحمله من إعادة صياغة للهوية والخطاب والتحالفات.

أما الاتجاه الثاني، فهو اتجاه تكريس “بترونية” التيار الوطني الحر بعد انكماشه الوطني. فالتيار الذي كان يقدّم نفسه قوة عابرة للمناطق والطوائف، تمتد من جبل لبنان إلى الشمال والجنوب والمتن وكسروان، بات أكثر التصاقاً بالبترون، ليس فقط باعتبارها الدائرة النيابية لباسيل، بل أيضاً باعتبارها المساحة السياسية الأكثر حيوية لنفوذه المباشر. وقد أظهرت السنوات الأخيرة أن معظم المعارك السياسية والتنظيمية لباسيل تدور انطلاقاً من البترون أو تعود إليها رمزياً. 

حتى الخطاب السياسي لباسيل نفسه بات يركّز بصورة لافتة على المدينة والقضاء والنسيج البتروني والمشاريع الإنمائية المحلية، بما يعكس انتقال التيار من مشروع وطني واسع إلى تمركز مناطقي أكثر وضوحاً. 

 وهنا تصبح تسمية “الباسيليين” مرتبطة أيضاً بصورة الزعامة المحلية المتجذّرة في البترون، لا بصورة الحركة الوطنية العابرة للمناطق التي ارتبطت بميشال عون في التسعينيات وحتى فترة قريبة.

ولذلك، فإن الفارق بين “العوني” و”الباسيلي” ليس مجرد تبديل أسماء: “العوني” كان يوحي بحالة شعبية واسعة ذات بعد عقائدي وسيادي وإصلاحي، بينما “الباسيلي” يوحي أكثر بحالة حزبية مرتبطة بشخصية سياسية محددة وبشبكة مصالح وتنظيم تدور حولها. ومن هنا أيضاً جاء استخدام المصطلح أحياناً بنبرة نقدية من الخصوم، أو حتى من بعض العونيين القدامى الذين شعروا بأن التيار انتقل من حركة مؤسسة على الكاريزما التاريخية لميشال عون إلى إطار يدور حول شخص جبران باسيل وطموحاته.

عموماً، فإن شيوع مصطلح “الباسيليين” يكشف تحوّلاً مزدوجاً: أفول “العونية” بوصفها الحالة المؤسسة، وصعود “الباسيلية” بوصفها واقعاً حزبياً جديداً؛ كما يكشف في الوقت نفسه عن انتقال التيار من الانتشار الوطني الواسع إلى نوع من الانكفاء السياسي والجغرافي حول البترون وشخص جبران باسيل.


ربيع داغر

مقالات | ARTICLES

By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c May 23, 2026
البطريرك الطوباوي الياس الحويك: من ربوع البترون الغنّاء إلى صروح المحافل الدولية
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c May 18, 2026
العائلة المشعوذة - الحلقة الحادية عشرة بعنوان "الشمطاء الشوهاء"
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c May 17, 2026
تأثير إقفال شركات الترابة في منطقة البترون واحتكار سبلين للإنتاج على غلاء أسعار الإسمنت
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c May 12, 2026
المكتب الذي لا يردّ “مَوتى”
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c May 8, 2026
العائلة المشعوذة – الحلقة العاشرة: الأعور الدجّال
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c May 5, 2026
سعد الحريري: الغائب الأبرز في زمن الفتن.. صوت العقل المفقود في لبنان المهدد
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c May 3, 2026
العائلة المشعوذة – الحلقة التاسعة: الصداقة.. وقناع الرغبات الخفية
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c May 1, 2026
عودة محتملة للتصعيد الإيراني–الأمريكي بقلم: مروان داغر
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c May 1, 2026
العائلة المسالمة - الحلقة الثانية: حين ينكشف الوجه الآخر
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c April 30, 2026
تسريبات "500 ألف ليرة للدولار".. ضغط اقتصادي أم إشارة تحذيرية في توقيت حساس؟
More Posts