البطريرك الطوباوي الياس الحويك: من ربوع البترون الغنّاء إلى صروح المحافل الدولية

في تاريخ لبنان الحديث، قلّما برزت شخصية دينية ارتقت إلى مصاف الزعامة الوطنية الجامعة كما فعل البطريرك الماروني الياس الحويك (١٨٤٣ - ١٩٣١)، الذي عاد اسمه اليوم إلى الواجهة مع إعلان الفاتيكان عن تطويبه، في خطوة تحمل أبعاداً روحية ووطنية وتاريخية معاً. فالرجل لم يكن مجرد رأس للكنيسة المارونية، بل كان أحد كبار صانعي الكيان اللبناني الحديث، وحارساً لشعبه في أحلك المراحل التي عرفها جبل لبنان والمشرق بأسره.

وإذا كان اللبنانيون يعرفون الحويك بوصفه “بطريرك لبنان الكبير”، فإن أبناء البترون يفاخرون بأن جذوره انطلقت من بلدة حلتا البترونية الوادعة، تلك القرية الخلابة التي أنجبت واحداً من أعظم رجال الكنيسة والسياسة في تاريخ لبنان. ففي تلك البيئة الريفية الجميلة، تشكلت شخصية الحويك الأولى، حاملةً قيم الصلابة والتواضع والإيمان العميق بالأرض. ولم ينسَ البطريرك يوماً جذوره البترونية، فبقيت منطقة البترون حاضرة في وجدانه وأعماله، ويتجلّى ذلك خصوصاً في تأسيسه دير عبرين في قضاء البترون، الذي شكّل محطة روحية وثقافية ودينية بارزة في المنطقة، ورسالة تؤكد ارتباطه العميق بالهوية المارونية المتجذرة فيه؛ كما دفن في نفس الدير.

لكن عظمة الحويك لم تتوقف عند حدود الرعاية الكنسية أو النشاط الرهباني، بل تجلت بصورة استثنائية عندما تسلّم السدة البطريركية المارونية (١٨٩٩ - ١٩٣١) في واحدة من أطول الحبريات وأخطر المراحل التاريخية. فقد عاش لبنان تحت وطأة الحرب العالمية الأولى، وشهد المجاعة الكبرى التي ضربت جبل لبنان بين عامي ١٩١٥ و١٩١٨، فحصدت عشرات الآلاف من الأرواح ودفعت الناس إلى أقصى درجات البؤس والجوع. يومها، لم يقف البطريرك متفرجاً على مأساة شعبه، بل تحوّل إلى أب فعلي للبنانيين، ففتح الأديرة والكنائس لإيواء الجائعين، وسعى إلى تأمين المساعدات والغذاء بكل الوسائل الممكنة، وواجه السلطات العثمانية بمواقف جريئة دفاعاً عن كرامة الناس وحقهم بالحياة.

لقد أدرك الحويك أن المجاعة لم تكن مجرد كارثة إنسانية عابرة، بل كانت تهدد وجود لبنان نفسه، ولذلك ربط بين إنقاذ الإنسان اللبناني وبين مشروع بناء دولة قادرة على حماية شعبها. ومن هنا، انتقل دوره من البعد الرعوي إلى الدور الوطني التاريخي. فمع انتهاء الحرب العالمية الأولى وسقوط السلطنة العثمانية، حمل البطريرك الحويك قضية اللبنانيين إلى مؤتمر فرساي عام ١٩١٩، حيث ظهر كصوت لبنان في المحافل الدولية، مطالباً بإقامة دولة لبنان الكبير ضمن حدود واضحة تحفظ خصوصية هذا الوطن وتؤمّن مقومات استمراره الاقتصادي والجغرافي.

في فرساي، لم يكن الحويك يدافع عن طائفة أو فئة، بل عن وطن متعدد أراده مساحة حرية وتعايش وانفتاح. وقد شكّل حضوره هناك لحظة مفصلية في التاريخ اللبناني، إذ أسهم بصورة حاسمة في تثبيت فكرة لبنان الكبير التي أُعلنت رسمياً عام ١٩٢٠. ومنذ ذلك الحين، ارتبط اسم البطريرك الحويك بولادة الكيان اللبناني الحديث، حتى بات يُنظر إليه كأحد الآباء المؤسسين للبنان.

واليوم، مع فتح دعوى تطويبه في الفاتيكان، لا يُستعاد الحويك كشخصية دينية فحسب، بل كرمز وطني وإنساني كبير جمع بين القداسة والعمل العام، بين الصلاة والدفاع عن الإنسان، وبين الانتماء المحلي العميق إلى بلدته البترونية الصغيرة والانخراط في صناعة مصير وطن كامل. إنها لحظة يستعيد فيها اللبنانيون سيرة رجلٍ حمل آلام شعبه على كتفيه، وترك بصمة لا تزال محفورة في ذاكرة لبنان وتاريخه.


ربيع داغر

مقالات | ARTICLES

By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c May 18, 2026
العائلة المشعوذة - الحلقة الحادية عشرة بعنوان "الشمطاء الشوهاء"
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c May 17, 2026
تأثير إقفال شركات الترابة في منطقة البترون واحتكار سبلين للإنتاج على غلاء أسعار الإسمنت
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c May 12, 2026
المكتب الذي لا يردّ “مَوتى”
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c May 8, 2026
العائلة المشعوذة – الحلقة العاشرة: الأعور الدجّال
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c May 5, 2026
سعد الحريري: الغائب الأبرز في زمن الفتن.. صوت العقل المفقود في لبنان المهدد
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c May 3, 2026
العائلة المشعوذة – الحلقة التاسعة: الصداقة.. وقناع الرغبات الخفية
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c May 1, 2026
عودة محتملة للتصعيد الإيراني–الأمريكي بقلم: مروان داغر
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c May 1, 2026
العائلة المسالمة - الحلقة الثانية: حين ينكشف الوجه الآخر
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c April 30, 2026
تسريبات "500 ألف ليرة للدولار".. ضغط اقتصادي أم إشارة تحذيرية في توقيت حساس؟
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c April 26, 2026
العائلة المشعوذة – الحلقة الثامنة: حينما يرتدي الطمع قناع القرابة في هذه الحلقة، نقترب أكثر من قلب العائلة المشعوذة، أو بالأحرى من رأسها المدبّر، ذاك الذي لا يرى في صلة الدم إلا فرصة، ولا في القرابة إلا بابًا للنفوذ والاستغلال. هنا، لا يعود الاحتيال مجرد أفكار عابرة، بل يتحوّل إلى وسيلة نفسية وذهنية لإحكام السيطرة، وتبرير النصب، وتزيين الطمع. كان ابن العم يعيش حياة مستقرة نسبيًا وهو عصامي ومتعلم حتى أعلى الدرجات، ورث بناية عن أخيه الذي توفي باكرًا، فصارت تلك الملكية مصدر أمان له ولعائلته. لكن في عيون ربّ العائلة المشعوذة، لم تكن تلك البناية سوى “غنيمة مؤجلة”. منذ تلك اللحظة، بدأ الحسد يتغلغل في صدره، يكبر بصمت، ويتحوّل إلى خطة. لم يُظهر المشعوذ ما في داخله. على العكس، لبس قناع القريب الودود. صار يتردد إلى منزل ابن عمه، يطرق الباب بابتسامة، يحمل معه أحيانًا بعض التحف أو المفروشات العتيقة، يعرضها بأسلوب يوحي بأنها فرصة لا تعوّض. كان يضعها عندهم “للتجربة”، ثم بعد أيام، يبدأ الضغط: إما أن تُشترى، أو تُستبدل بالمال السابق. وهنا الحيلة الأخطر: فقد كان يستغل واقع أنه وزوجته قد اقترضا سابقًا مبالغ من ابن عمه أو من شقيقته، فيحوّل الدين إلى أداة ابتزاز. يخلط الحسابات، يربك الأرقام، ويطرح تسويات مبهمة، بحيث يجد الضحية نفسه في نهاية المطاف وكأنه هو المدين، لا الدائن. أما زوجته المشعوذة، فكان لها دور مكمّل لا يقل خطورة. في الجلسات التي تسميها “علنية”، كانت تزرع أفكارًا في عقول الحاضرين، توحي لهم بأن ما يقوم به زوجها هو “توازن في الحقوق”، أو “ردّ لما اختلّ من طاقات”. كانت تُجمّل الفعل، تعطيه غلافًا روحانيًا، فتُضعف قدرة الضحية على الشك أو الاعتراض. ولم يقتصر الأمر على ابن العم فقط، بل امتدّ إلى ابن العمّة أيضًا. نفس الأسلوب، نفس التودّد المزيّف، ونفس لعبة المفروشات والديون. لكن الأخطر كان اللعب على العاطفة العائلية: “نحن أهل… لا داعي للتدقيق… الأمور بيننا تُحلّ بالثقة”. وهنا، تتحوّل الثقة إلى فخ. في العمق، لم يكن ما يحدث مجرد نصب تقليدي، بل كان بناءً تدريجيًا لمنظومة سيطرة: إرباك مالي، ضغط نفسي، واستغلال للعلاقات العائلية، مغطّى بخطاب روحاني زائف. وهكذا بدأ بمدّ خيوطه بخبثٍ أكبر نحو ابن عمّته، مستغلًا بساطته وثقته العائلية التي لم تكن يومًا تتخيّل أن تتحوّل إلى أداة استنزاف. بدأت الحكاية بإغراءٍ محسوب. جلس معه ذات مساء، بنبرة الواثق الخبير، يحدثه عن “فرصة لا تُعوّض”، وعن تجارةٍ مزدهرة، وأرباحٍ مضمونة، وعن مشروع “سيغيّر حياتهما معًا”. لم يكن العرض مجرد فكرة، بل جاء مغلّفًا بتفاصيل تبدو واقعية، وأرقام تُغري، وكلماتٍ مدروسة تُلامس الطموح. ومع الأيام، أخذ الإقناع شكلاً أعمق. لم يعد الأمر مجرد شراكة، بل “دعم عائلي”، “وقفة بين الأقارب” و”استثمار في المستقبل المشترك”. هنا، تهاوت الحواجز الأخيرة، فاقتنع ابن العمّة ببيع قطعة أرض يملكها، وجمع المال، وسلّمه لابن خاله بثقةٍ كاملة، ظنًا منه أنه يخطو نحو شراكة حقيقية. لكن ما إن وقعت الأموال في يد المشعوذ، حتى انقلب المشهد. ببرودةٍ لافتة، أعلن فضّ الشراكة. برّر ذلك بأن العمل “أصبح كبيرًا ومعقّدًا”، وأنه يفضّل الاستمرار وحده “لتجنّب المشاكل”. ثم ألقى بوعدٍ بدا في ظاهره منصفًا: إعادة المبلغ الأصلي… دون أي أرباح. كان وقع الصدمة قاسيًا، لكن ابن العمّة، المثقل بثقافة الرضا وقبول الأمر الواقع، لم يجد أمامه إلا التسليم. وافق، على أمل أن يستعيد على الأقل ما دفعه. وهنا، بدأ الفصل الأشد قسوة من الخدعة. لم يُعد المشعوذ المال كما وعد، بل شرع في تقسيطه بطريقة تُفرغ الوعد من معناه. دفعات صغيرة، متباعدة، غير منتظمة، تُقدَّم وكأنها “جهد كبير” منه. وفي أحيانٍ أخرى، كان يأتي بمفروشات رثة، يدّعي أنها “قطع أثرية نادرة”، ويعرضها كجزء من السداد. كان يزيّن تلك القطع بكلماتٍ منمّقة، يضخّم قيمتها، يروي قصصًا عن أصلها وتاريخها، حتى يكاد الضحية يصدّق أنه يستلم كنزًا لا يُقدّر بثمن، بينما الحقيقة أنها لا تساوي شيئًا يُذكر. وهكذا، تحوّل المال الحقيقي إلى أوهام، والحقوق الواضحة إلى صفقاتٍ ملتبسة، لا يستطيع الضحية فيها أن يثبت شيئًا أو يستردّ حقًا. في هذا المشهد، تتجلّى براعة المشعوذ في إعادة تشكيل الوقائع: يأخذ مالًا حقيقيًا، ويعيد مقابله وعودًا، ثم يستبدل الوعود بأشياء بلا قيمة، ويُقنع الضحية أن كل ذلك “تسوية عادلة”. إنها ليست مجرد عملية نصب، بل منظومة خداع متكاملة، تقوم على استنزاف الثقة قبل المال، وعلى تحويل الضحية من صاحب حق إلى متلقٍ ممتنّ لما يُعطى له. وهنا، تزداد الصورة قتامة: فكلما طال الزمن، تلاشت القدرة على المواجهة، وتحوّلت الخسارة إلى أمرٍ واقع، يلتفّ حوله الصمت.
More Posts