العائلة المشعوذة - الحلقة الثانية عشرة بعنوان: الفكحاء العرجاء

في تلك الليلة الثقيلة التي غطّى فيها الضباب أطراف القرية، كانت “دار المشعوذين” تبدو أكثر ظلمة من الطقس الخارجي: النوافذ نصف مغلقة، والريح تعصف بين أشجار الحور العالية المحيطة بالبيت، فيما جلس ربّ العائلة المشعوذة على كرسيه الخشبي العريض، يحدّق في النار المشتعلة أمامه بعينين قاسيتين لا تعرفان الرحمة.
أخذت الذكريات تستعاد.. فمنذ زواجه، لم يشعر يوماً بأنها الزوجة التي اختارها قلبه. كان يعتبرها صفقة أكثر منها امرأة. وعدٌ بثروة من الذهب والمال والأرض قُطع له من أهلها مقابل تلك الزيجة - كما كان يدّعي؛ فقبل بها رغم نفوره منها. كان يقول في سره دائماً إن القدر ظلمه حين جمعه بها، لكن الطمع كان أقوى من كبريائه.
دخلت تلك الزوجة - في البداية - إلى بيته بخطوات مترددة ووجهها يحمل آثار تعب قديم، وقامتها المائلة قليلاً جعلتها موضع سخرية دائمة من زوجها. كان يردّد بازدراء: “ها قد جاءت الفكحاء العرجاء… المرأة التي لا تعرف إن كانت تمشي أم تتعثر”.
كان بعض الجالسين يضحك نفاقاً، فيما يخفض آخرون رؤوسهم خجلاً من قسوته. أما هي، فكانت - في كل نوبة من نوبات الإذلال تلك - تتجمّد؛ كأن الكلمات سكاكين تنغرس في روحها.
وكأنه - بفعلنه القذرة تلك - كان يريد أن يثبت للجميع أنه لم يتزوجها حباً، بل ثمناً.
وكخجلان من زواجه؛ لم ينفكّ يقول لأقاربه ويؤكّد: “زوجتي؟! لقد جاءتني محمّلة بوعود الذهب، وإلا لما أدخلتها هذا البيت يوماً”.
وكان كلما أذلها يضحك غير آبه، وغير مدرك أن الليلة الأولى التي أهان فيها “الفكحاء العرجاء" كانت بداية اللعنة التي ستسقط على العائلة كلها.
لعنة الشر الممزوج بالشر والحقد المضاف إلى الحقد واتحاد إرادتين متعاكستين على التخريب والإفناء في كل اتجاه؛ فلم يمسك ربّا العائلة المشعوذة بشيء إلا واستحال ركاماً وما عملا في أمر إلا كان وبالاً. لقد أسّسا - رغم افتراقهما - العائلة المشعوذة الكاملة؛ وشيّدا معاً ما يشبه دهليز الأفاعي.








