القبيحة صاحبة القوس - الحلقة الأولى

في طرف البلدة القديمة كانت تسير فتاة قصيرة القامة، ضئيلة الجسد، منحنية الظهر قليلاً حتى بدا كأنها تحمل قوساً خفياً فوق كتفيها. كان وجهها غير متناسق الملامح، وفيه آثار بشاعة جعلت الأطفال يلتفتون إليها باستغراب، فيما يتجنب الكبار التحديق فيها احتراماً أو شفقة.
أهلها عند الولادة أسموها "صاحبة القوس".
كانت تبتسم دائماً.
تبتسم للبائع الذي يناولها الخبز، وللجارات اللواتي لا يزرنها أبداً، وللشبًان الذين يمرون قربها دون أن يلقوا عليها التحية. كانت ابتسامة ثابتة، حتى ظن الناس أنها امرأة راضية عن الدنيا، لا تعرف الغضب ولا المرارة.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
في داخلها كانت تعيش عالماً آخر.
كلما رأت امرأة جميلة تمشي بثقة في السوق شعرت بوخزة خفية في صدرها. وكلما سمعت مديحاً لشخص ناجح أو محبوب، كانت نار صغيرة تشتعل في أعماقها. لم تكن تكرههم لأنهم أساؤوا إليها، بل لأنها كانت ترى فيهم ما افتقدته هي طوال حياتها.
كانت تتذكر طفولتها جيداً.
تتذكر نظرات السخرية، والضحكات التي كانت تتوقف فور اقترابها، والمرايا التي كانت تتجنب النظر إليها. وعندما فشلت في تحقيق أحلام كثيرة، ترسخت داخلها قناعة مريرة بأن الحياة أعطت الآخرين كل شيء وحرمتها هي من كل شيء.
ومع مرور السنوات تحول الألم إلى ضيق، والضيق إلى حسد، والحسد إلى حقد صامت.
لم تكن تؤذي أحداً بيدها، لكنها كانت تفعل ذلك بقلبها.
كانت تفرح سراً عندما يتعثر شخص ناجح، وتستمتع حين تسمع بخلاف بين زوجين سعيدين، وتشعر براحة غامضة عندما ترى الحزن يزور بيتاً طالما امتلأ بالفرح.
ومع ذلك ظلت تبتسم.
ذات مساء جلست قرب نافذتها تراقب المارة. رأت طفلة صغيرة تختلف ملامحها عن بقية الأطفال، وتسير بخجل وهي تخفي وجهها خلف شعرها. توقفت صاحبة القوس طويلاً عند تلك الصورة.
رأت نفسها.
لأول مرة منذ سنوات لم تشعر بالحسد ولا بالغضب.
شعرت بالشفقة.
أدركت فجأة أن الحقد الذي حملته لم يكن موجهاً إلى الناس، بل إلى صورتها هي. كانت تعاقب العالم كله على جرح قديم لم يندمل في داخلها.
في تلك الليلة بكت طويلاً.
وحين أشرقت الشمس في الصباح التالي، خرجت إلى السوق كعادتها. وقررت البداية من جديد عبر عائلة جديدة تخبئ فيها عقدها القديمة وتري من خلالها المجتمع أنها صالحة ولو بشيء واحد.
لكنها بقيت أسيرة لقوس لم يكن في ظهرها فقط، بل في روحها أيضاً.
ربيع داغر








