العائلة المشعوذة – الحلقة الثالثة عشرة: طباع الشاندالا
لم يكن المشعوذ الأكبر يروي شيئاً عن طفولته إلا نادراً، وكأن سنواته الأولى صفحة مطوية يخشى أن تنفتح أمام العيون. فقد نشأ في بيئة قاسية، حيث كان الحرمان جزءاً من تفاصيل اليوم العادي، وحيث كانت أبسط مقومات الحياة غائبة عن البيت. لم يعرف نظاماً أو ترتيباً أو حياة مستقرة، بل عاش بين الفوضى والعوز والإهمال، حتى تشكلت شخصيته الأولى من تلك المواد الخام التي تصنعها البيئات القاسية.
كبر الصبي وهو يظن أن ما يراه حوله هو الصورة الطبيعية للعالم. الثياب الممزقة، العادات الخشنة، الإهمال في المظهر، وانعدام الذوق في التعامل مع الأشياء والناس، كلها بدت له أموراً مألوفة لا تستدعي التساؤل. ومع مرور السنين ترسخت هذه الطباع في أعماقه كما تترسخ جذور الأشجار في الأرض اليابسة.
ثم دارت عجلة الزمن. تحسن وضعه المعيشي، وانتقل إلى أماكن أكثر تحضراً، وخالط أهل المدن، وجالس المتعلمين وأصحاب الخبرة، بل احتك بأشخاص من ثقافات مختلفة فتعرّف إلى أساليب جديدة في الحياة والسلوك. ظن بعضهم أن السنوات كفيلة بتغييره، وأن تبدل الظروف سيقود حتماً إلى تبدل الطباع.
غير أن ما حدث كان مختلفاً.
فقد تغيرت الثياب، لكن الذوق لم يتغير. وتحسن المسكن، لكن الفوضى بقيت تسكن داخله. وتبدلت الوجوه من حوله، لكن نظرته إلى العالم ظلت أسيرة ما حمله من ماضٍ بعيد. كان يقلد مظاهر التحضر دون أن يتشرب قيمه، فيبدو كمن يرتدي ثوباً لا يشبهه.
وكانت المفارقة أن كل احتكاك جديد بالحياة الراقية لم ينجح في صقل شخصيته كما توقع الناس. فكلما سنحت فرصة لإظهار ما اكتسبه من خبرة، انكشفت طباعه القديمة من جديد، كأنها تنتظر اللحظة المناسبة للخروج إلى السطح. لم يكن الأمر متعلقاً بالفقر أو الغنى، بل بعجزه عن مراجعة ذاته وإعادة بناء شخصيته من الداخل.
كان يشبه حجارة قديمة مستقرة في قاع بركة واسعة. تحيط بها المياه من كل جانب، وتلامسها في كل لحظة، لكنها لا تنفذ إلى جوهرها. تمر السنوات، وتتبدل الفصول، وتتجدد المياه، بينما تبقى الحجارة على حالها، محتفظة بخشونتها الأولى وصلابتها القديمة.
وهكذا بقي المشعوذ الأكبر أسير طباعه. تغيرت ظروفه مرات عديدة، لكنه لم ينجح في تغيير نفسه. فالإنسان قد ينتقل من مكان إلى مكان، وقد يرتقي في المال أو المنصب، لكن الارتقاء الحقيقي يبدأ حين يمتلك الشجاعة الكافية لمواجهة عيوبه، لا حين يكتفي بإخفائها خلف مظاهر جديدة.
ولعل هذه كانت المأساة الكبرى للمشعوذ الأكبر: أنه تعلم كيف يبدل الأقنعة، لكنه لم يتعلم كيف يبدل ما وراءها.








