قراءة الأحزاب في البترون للعدوان الإسرائيلي على لبنان: بين الارتباط بالوضع الإقليمي والصراع التاريخي
تشكّل منطقة البترون، كغيرها من المناطق اللبنانية، مرآةً دقيقةً للتوازنات السياسية الوطنية، حيث تتقاطع فيها مواقف الأحزاب بين رفض العدوان الإسرائيلي من جهة، والانقسام حول أسبابه وسياقاته الإقليمية، لا سيما ارتباطه بالصراع بين إيران والولايات المتحدة، ودور حزب الله في هذا المشهد.
من حيث المبدأ، لا يختلف اثنان في البترون على إدانة الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، باعتبارها انتهاكاً للسيادة وتهديداً مباشراً للأمن الوطني. إلا أن هذا الإجماع النظري سرعان ما يتشظى عند مقاربة الخلفيات السياسية والعسكرية للصراع.
في هذا السياق، يبرز موقف تيار المردة، الذي ينسجم مع خطه السياسي التقليدي الداعم للمقاومة. إذ يرى أن العدوان الإسرائيلي هو استمرار لمشروع استهداف لبنان، وأن الرد عليه لا يكون إلا من خلال معادلة الردع التي أرساها حزب الله. كما يربط المردة بين التصعيد الإسرائيلي وبين الصراع الإقليمي، معتبراً أن لبنان جزء من محور أوسع تقوده إيران في مواجهة إسرائيل.
في المقابل، تتخذ أحزاب مثل الكتائب اللبنانية والقوات اللبنانية موقفاً مختلفاً في الجوهر، رغم إدانتها الشكلية للعدوان. فهذه القوى تعتبر أن سياسات حزب الله، وارتباطه بإيران، قد أدخلت لبنان في صراعات إقليمية لا طاقة له على تحملها. وترى أن ما يتعرض له لبنان هو نتيجة مباشرة لانخراط الحزب في النزاعات الإقليمية، ما يجعل البلاد ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى، خصوصاً بين إيران والولايات المتحدة.
أما على صعيد الشخصيات المستقلة أو ذات التوجه السيادي في البترون، مثل مجد حرب، فيبرز خطاب يحمّل المسؤولية المزدوجة: فهو يدين العدوان الإسرائيلي من جهة، لكنه في الوقت نفسه ينتقد بشدة سلاح حزب الله وخياراته الإقليمية، معتبراً أن قيام دولة فعلية في لبنان يمر عبر حصر قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الشرعية.
ولا يمكن إغفال موقف الحزب الشيوعي اللبناني، الذي يتبنى مقاربة مختلفة نسبياً، تنطلق من خلفيته اليسارية التاريخية المناهضة لإسرائيل. إذ يدين الحزب العدوان بشكل واضح، ويرى فيه امتداداً للسياسات الإمبريالية، إلا أنه في الوقت نفسه يدعو إلى بناء مقاومة وطنية جامعة، لا ترتبط بمحاور إقليمية، بل تنطلق من مشروع وطني تحرري مستقل.
هكذا، تبدو البترون ساحةً تعكس الانقسام اللبناني الأوسع: إجماع على رفض العدوان، يقابله خلاف عميق حول أسبابه وسبل مواجهته. بين من يرى في حزب الله قوة ردع ضرورية، ومن يعتبره سبباً في جرّ البلاد إلى أتون الصراعات، تبقى الحقيقة أن لبنان، بكل مناطقه، لا يزال يعيش على خط تماس دائم بين الجغرافيا السياسية والانقسام الداخلي.
وفي ظل هذا الواقع، يتردد السؤال نفسه بإلحاح: هل يمكن للبنانيين، في البترون كما في سائر المناطق، أن يتفقوا يوماً على استراتيجية وطنية موحدة تحمي البلاد من العدوان، دون أن تجعلها رهينة لصراعات الآخرين؟
ربيع داغر
مقالات | ARTICLES
سليمان فرنجية.. بين ضغط الخارج واحتضان الداخل
القبيحة صاحبة القوس – الحلقة الثانية
من الرابح والخاسر بين الأحزاب المسيحية بعد التفاهم الأميركي – الإيراني؟
العائلة المشعوذة – الحلقة الثالثة عشرة: طباع الشاندالا





