العائلة المشعوذة – الجزء الثاني

ليست كل الدعوات بريئة، ولا كل الابتسامات صادقة، فثمة عائلات احترفت فنّ الاستدراج كما يُحترف أي عمل آخر، حتى باتت الضيافة عندها أداة، والكلمة الطيبة فخًّا، واللقاء العابر بداية خيط طويل من الخديعة. في هذا الجزء، نغوص أعمق في سلوك تلك "العائلة المشعوذة" التي لا تكتفي بالمراوغة، بل تتقن التواطؤ الداخلي وتوزيع الأدوار كما لو أنها فرقة مسرحية محكمة التدريب.
تبدأ الحكاية باتصال هاتفي يبدو عفويًا. ربّ الأسرة يتقمّص دور الحنين المفاجئ، يفيض شوقًا، يستعيد الذكريات، ويُلحّ بلطفٍ مدروس على اللقاء. يتردّد الضحية قليلًا، لكن حرارة الدعوة، وإلحاحها المبطّن بالمودّة، تُسقط حذره. يُحدَّد الموعد، وغالبًا ما يكون في وقتٍ مريح للضيف، لا لهدف الكرم، بل لإحكام السيطرة على تفاصيل المشهد.
في الجهة المقابلة، تتحرّك الآلة العائلية. تُبلَّغ الزوجة، ويُستدعى من الأبناء من يصلح للدور. تُوزّع المهام بدقّة: من سيُظهر الحفاوة، من سيتولّى الحديث، من سيُضفي جوّ الألفة، ومن سيزرع الفكرة الأساسية. كلّ فرد يعرف موقعه، كأنهم نسجوا مسبقًا سيناريو لا يحتمل الارتجال.
عند وصول الضيف، يُستقبل بحفاوة تفوق المألوف. كلمات الترحيب، المائدة العامرة، الضحكات المتناثرة… كلّها تفاصيل تُبنى بعناية لتُسقط الحواجز. يشعر الضيف بأنه بين أهله، بل ربما أفضل. وهنا تبدأ المرحلة الأخطر: نسج خيوط العنكبوت.
يدخل الحديث تدريجيًا إلى مواضيع المال، الفرص والمشاريع. يُطرح اقتراح شراكة تبدو ذهبية، أو حاجة طارئة لاقتراض مبلغ بسيط “مؤقت”. تُدعم الرواية بأدلة مصطنعة: مشروع قيد التنفيذ، أرباح قريبة أو أزمة عابرة تحتاج إلى دعم صديق. تتدخّل الزوجة لتؤكّد، ويُدلي أحد الأبناء بمعلومة “عفوية” تُعزّز الثقة. كلّ شيء يبدو متماسكًا… لأنّه مُفبرك بإتقان.
وإذا وافق الضيف، تبدأ الحلقة الثانية من الخديعة: تتأخر الدفعات، تُختلق الأعذار، ثم تتصاعد الخلافات. فجأة، تنقلب الأدوار: من مُضيفٍ ودود إلى شريكٍ متضرّر، ومن مدينٍ إلى ضحية. تُفكّ الشراكة بحجج جاهزة، متّفق عليها مسبقًا، ويُلقى اللوم على الطرف الآخر، الذي يجد نفسه محاصرًا بسردية مُحكمة لا يملك أدوات تفكيكها.
أما إن تردّد الضيف منذ البداية، فلا يُترك بسهولة. تُمارَس عليه ضغوط ناعمة: تذكير بالمودّة، استحضار للكرم، تلميح بالخذلان. وإن أفلت، يُصنَّف ضمن “غير الموثوقين”، وتُغلق أمامه أبواب العلاقة.
المشكلة في هذه العائلة لا تكمن فقط في سلوكها، بل في قدرتها على إخفاء حقيقتها خلف قناعٍ اجتماعي مقبول. فهي لا تبدو خارجة عن القانون، بل متقنة للالتفاف حوله، مستفيدة من الثقة الاجتماعية، ومن خجل الضحايا في كشف ما تعرّضوا له.
إنها ليست مجرد حكاية عن خداع، بل عن منظومة صغيرة تُدار بعقلية جماعية، حيث يتحوّل القرب إلى وسيلة، والضيافة إلى شرك، والثقة إلى ضحية صامتة. 
وهنا تكمن الخطورة: في أن الضيف، حين يكتشف أنه اختُنق بخيوط العنكبوت، يكون قد تأخر كثيرًا… لأن الخيوط لم تكن مرئية منذ البداية.

يتبع

مقالات | ARTICLES

By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c June 20, 2026
سليمان فرنجية.. بين ضغط الخارج واحتضان الداخل
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c June 18, 2026
القبيحة صاحبة القوس – الحلقة الثانية
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c June 16, 2026
من الرابح والخاسر بين الأحزاب المسيحية بعد التفاهم الأميركي – الإيراني؟
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c June 10, 2026
العائلة المشعوذة – الحلقة الثالثة عشرة: طباع الشاندالا
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c June 7, 2026
القبيحة صاحبة القوس - الحلقة الأولى
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c May 28, 2026
العائلة المشعوذة - الحلقة الثانية عشرة بعنوان: الفكحاء العرجاء
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c May 28, 2026
الوجه الآخر للبترون: حينما يختبئ الليل خلف أضواء السياحة
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c May 28, 2026
لبنان: ضحية الجغرافيا والتسويات الإقليمية المتكررة
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c May 25, 2026
عيد التحرير والمقاومة في لبنان تحرير الأرض وصمود الشعب
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c May 24, 2026
من "العونية" إلى "الباسبلية": تسمية تحمل خلفيات
More Posts