'العائلة المشعوذة"

في بعض المجتمعات الصغيرة، حيث يعرف الناس بعضهم بعضاً وتتشابك العلاقات العائلية والاجتماعية، قد تظهر نماذج بشرية شاذة عن القيم العامة. نماذج تتقن فن الاستغلال أكثر مما تعرف معنى العيش المشترك، وتتعامل مع الآخرين بوصفهم وسيلة للمنفعة لا شركاء في الحياة. ومن بين هذه النماذج ما يمكن تسميته بـ “العائلة المشعوذة”؛ عائلة لا يجمع أفرادها سوى هاجس واحد: كيف يمكن الاستفادة من الآخرين، ولو على حساب الأخلاق والروابط الإنسانية؟
هذه العائلة لم تُعرف يوماً بعمل منتج أو بمساهمة بنّاءة في مجتمعها، بل اشتهرت بمحاولات الالتفاف على حقوق الأقارب قبل الغرباء. فمنذ سنوات طويلة، تلاحقت الروايات عن محاولات الاستيلاء على ميراث أقاربهم من الأراضي والعقارات، عبر الضغط أو التضليل أو استغلال ثقة بعض كبار السن من أفراد العائلة الممتدة. وكأن الأرض التي ورثها الآباء والأجداد تحوّلت في نظرهم إلى فرصة للانقضاض لا إلى أمانة تُصان.
ولم يقف الأمر عند حدود النزاعات العائلية، بل امتد إلى ميادين أخرى أكثر غرابة؛ فقد دخل بعض أفراد هذه العائلة في تجارة القطع الأثرية الملتبسة، مستغلين جهل بعض الناس وخيال قصص الكنوز المدفونة التي لطالما أغرت الحالمين بالثراء السريع. وهكذا انتشرت حكايات عن صفقات وهمية وخدع مالية، دفع ثمنها أشخاص صدّقوا الروايات الملفقة ووقعوا ضحية الطمع أو الثقة المفرطة.
والأغرب من ذلك أن بعض أفراد هذه العائلة لم يترددوا حتى في تبديل مواقفهم الدينية أو السياسية متى رأوا في ذلك منفعة شخصية. فالمبدأ لديهم ليس قناعة أو إيماناً، بل مجرد وسيلة أخرى لتحقيق مكاسب أو نيل رضا جهة ما. فيتحول الانتماء، الذي يفترض أن يكون مسألة هوية ووجدان، إلى ورقة للمساومة أو باب للمنفعة.
أما الأبناء الذين غادروا البلدة يوماً بحثاً عن العمل في دول الخليج، فقد ظنّ كثيرون أن الغربة ربما تعلّمهم معنى الانضباط واحترام القوانين. لكن الأخبار التي عادت إلى البلدة لم تكن مشجعة؛ فقد تكررت حوادث إساءة الأمانة والسرقة، مما أدى إلى طرد بعضهم من أعمالهم وفرض حظر على دخولهم إلى تلك الأقطار. وهكذا عادوا بخيبة أكبر وبسمعة أثقل، لا لأن الظروف ظلمتهم، بل لأنهم لم يتعلموا درس الأمانة.
وفي بلدة بترونية صغيرة هادئة، حيث يميل الناس عادة إلى السهرات الودية والحديث عن شؤون الحياة اليومية، باتت جلسات هذه العائلة مختلفة. فما يتسامرون به في لياليهم ليس ذكريات جميلة ولا أحلاماً بالمستقبل، بل كلام مشبع بالحقد والضغينة. حديثهم يدور غالباً حول الآخرين، خصوصاً أبناء جلدتهم، إضافة إلى تميزهم بنبرة طائفية بغيضة تعكس ضيق أفق أكثر مما تعكس موقفاً سياسياً أو فكرياً.
وهكذا تتحول السهرات التي يفترض أن تكون مساحة للتقارب الاجتماعي إلى منصات لبث الكراهية وتكريس الانقسام. وكأن العائلة التي عجزت عن بناء سمعة طيبة لنفسها تحاول تعويض ذلك بزرع الشكوك والعداوات بين الناس.
لكن المجتمعات، مهما صغرت، تمتلك عادة مناعة أخلاقية. فالناس قد يصبرون طويلاً، لكنهم في النهاية يميزون بين من يبني ومن يهدم، بين من يحفظ الأمانة ومن يتخذها وسيلة للنهب. لذلك فإن سمعة أي عائلة لا تُصنع بالكلام ولا بالادعاءات، بل بالسلوك اليومي وبالاحترام الذي تفرضه على الآخرين.
أما العائلة المشعوذة، فقد اختارت طريقاً آخر… طريقاً قصيراً في المكاسب، طويلاً في الخسارة.
وللبقية تتمة…
ربيع داغر
مقالات | ARTICLES
العائلة المشعوذة – الحلقة الثالثة عشرة: طباع الشاندالا








