الظلم الفادح للرأي العام بفعل التمديد للمجلس النيابي

في الأنظمة الديمقراطية، يشكّل الاحتكام إلى صناديق الاقتراع الركيزة الأساسية التي تقوم عليها شرعية السلطة السياسية. فالانتخابات ليست مجرد إجراء دستوري دوري، بل هي لحظة تجديد للعقد بين الشعب وممثليه. وعندما يتم تجاوز هذه اللحظة عبر التمديد للمجالس النيابية، يشعر الرأي العام بأن حقه الطبيعي في المحاسبة والتغيير قد سُلب منه، وأن إرادته وُضعت جانباً لمصلحة حسابات سياسية ضيقة.
في لبنان، حيث يعاني المواطن أصلاً من أزمات سياسية واقتصادية ومعيشية خانقة، يبدو التمديد للمجلس النيابي وكأنه إضافة جديدة إلى سلسلة الإحباطات التي تثقل كاهل الناس. فالمواطن الذي ينتظر موعد الانتخابات ليعبّر عن رأيه في الأداء السياسي، ويكافئ من يراه جديراً بالثقة أو يعاقب من يراه مقصّراً، يجد نفسه فجأة أمام واقع مفروض عليه، يمدّد عمر الطبقة السياسية نفسها من دون الرجوع إلى إرادة الناخبين.
هذا التمديد لا يُعدّ مجرد إجراء تقني أو إداري، بل يحمل في طياته ظلماً واضحاً للرأي العام. فالناخبون الذين منحوا ثقتهم لنوابهم لفترة محددة، فعلوا ذلك ضمن إطار زمني واضح نصّ عليه الدستور والقوانين. وعندما يتم تمديد هذه الولاية، تتغيّر قواعد اللعبة السياسية من دون موافقة أصحاب الحق الأساسيين، أي المواطنين.
ومن جهة أخرى، يضع التمديد صورة الديمقراطية في لبنان أمام اختبار صعب. إذ إن احترام المهل الدستورية يعكس مدى التزام الدولة بمبادئ التداول السلمي للسلطة. أما القفز فوق هذه المهل، حتى ولو تحت ذرائع مختلفة، فيعزز شعور الناس بأن المؤسسات السياسية لا تعمل دائماً وفق ما يريده الشعب، بل وفق ما تفرضه توازنات القوى ومصالحها.
ولا يقتصر أثر هذا الظلم على الجانب السياسي فحسب، بل يمتد إلى الجانب النفسي والمعنوي لدى المواطنين. فالإحساس بأن الصوت الانتخابي قد تم تعطيله أو تأجيله قسراً يولّد حالة من اللامبالاة أو الإحباط تجاه المشاركة في الحياة العامة. ومع مرور الوقت، قد يؤدي ذلك إلى تآكل الثقة بالمؤسسات الديمقراطية نفسها.
إن معالجة هذه المسألة لا تكون بتبرير التمديد أو التعامل معه كأمر واقع، بل بإعادة الاعتبار إلى المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه الديمقراطية ألا وهو حق الشعب في اختيار ممثليه ضمن مهل واضحة ودورية. فالرأي العام ليس تفصيلاً في المعادلة السياسية، بل هو أساس الشرعية ومرجعها الأول.
ويبقى احترام إرادة الناس هو الطريق الوحيد للحفاظ على ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها؛ وأي مساس بهذا الحق، مهما كانت مبرراته، يبقى في نظر كثيرين ظلماً فادحاً للرأي العام الذي ينتظر دائماً أن يكون صوته هو الكلمة الفصل في تحديد مستقبل الحياة السياسية.
ربيع داغر
مقالات | ARTICLES
المكتب الذي لا يردّ “مَوتى”








