
المختار الثرثار… حين تتحوّل المختارية من خدمة عامة إلى منبر للبوح
هو مختار إحدى البلدات البترونية الجبلية، حيث يعرف الناس بعضهم بعضاً بالاسم والكنية، ويختلط الخاص بالعام في المقاهي والساحات، يبرز “مختار ثرثار” كحالة شاذة تستحق التوقف عندها؛ ليس لأن الرجل لا ينجز المعاملات، بل لأنّه يتحدث عنها كثيرا وربما أكثر مما يجب.
المختار في لبنان ليس مجرّد موظف محلي، بل هو موقع معنوي واجتماعي قبل أن يكون إدارياً. فبموجب القوانين المرعية، وخصوصاً قانون البلديات، يُعدّ المختار حلقة الوصل بين المواطن والإدارة الرسمية، يصدّق التواقيع، ينظّم الإفادات، ويواكب معاملات حسّاسة تتصل بالأحوال الشخصية والإقامة والإرث وغيرها. وهو بذلك مؤتمن على أسرار الناس قبل أوراقهم.
لكن ماذا يحدث حين يفقد المختار حسّ الكتمان؟
في البلدة المعنية، بات بعض الأهالي يتداولون باستياء كيف يُفصح المختار عن طبيعة المعاملات التي يحررها: هذا استصدر إفادة فقر، وذاك ينقل قيده، وتلك تتابع معاملة طلاق، وآخر يسعى إلى وكالة بيع أو بعد أوراقا للسفر. تُقال الأمور أحياناً بنبرة عفوية، وأحياناً بنبرة استعراض للنفوذ أو لكثرة المراجعين. غير أن النتيجة واحدة: انكشاف خصوصيات الناس في مجتمع صغير لا يرحم.
المشكلة هنا ليست قانونية فحسب، بل أخلاقية أيضاً. فالمختار، بحكم موقعه، مطالب باحترام أدبيات الوظيفة العامة: السرية، الحياد والتجرّد. فالخصوصية ليست ترفاً في قرية جبلية، بل حاجة ملحّة لصون الكرامة. وما قد يُقال عرضاً في مجلس ضيق، قد يتحوّل إلى إشاعة تجوب البلدة بأكملها خلال ساعات.
إن الثقة بين المواطن والمختار هي أساس العلاقة. فإذا اهتزّت هذه الثقة، تردّد الناس في اللجوء إليه، أو لجأوا إليه مضطرين وهم متوجّسون. وفي مجتمع لبناني يعاني أصلاً من أزمات اقتصادية واجتماعية، تصبح الحاجة إلى مؤسسات محلية موثوقة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
قد لا يكون “المختار الثرثار” سيّئ النية. فلربما يعتقد أنه يبرز نشاطه وخدمته لأبناء بلدته. لكن الخدمة الحقيقية لا تحتاج إلى إعلان تفاصيلها. فالعمل الصامت، خصوصاً في ما يتصل بحياة الناس الخاصة، هو أرقى أشكال المسؤولية.
لكن الحالة التي نتناولها قد تتصرف بمحض الحاجة إلى البوح للتسلية ولعادة الثرثرة السيئة!
من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة التذكير بأدبيات المختارية: أن يكون المختار كتوماً، حكيماً، بعيداً عن استثمار المعلومات في المجالس. فالموقع ليس مساحة للوجاهة الاجتماعية فقط، بل أمانة.
وفي تلك البلدة الجبلية البترونية التي يقيم معظم أهلها في الساحل، حيث تختلط المصالح العائلية والسياسية والاقتصادية، تبقى الكلمة أخطر من الورقة المختومة. والمختار الذي لا يحفظ السر، يخاطر بأن يخسر أثمن ما يملك: ثقة الناس.
ربيع داغر
مقالات | ARTICLES
المكتب الذي لا يردّ “مَوتى”
تسريبات "500 ألف ليرة للدولار".. ضغط اقتصادي أم إشارة تحذيرية في توقيت حساس؟

العائلة المشعوذة – الحلقة الثامنة: حينما يرتدي الطمع قناع القرابة في هذه الحلقة، نقترب أكثر من قلب العائلة المشعوذة، أو بالأحرى من رأسها المدبّر، ذاك الذي لا يرى في صلة الدم إلا فرصة، ولا في القرابة إلا بابًا للنفوذ والاستغلال. هنا، لا يعود الاحتيال مجرد أفكار عابرة، بل يتحوّل إلى وسيلة نفسية وذهنية لإحكام السيطرة، وتبرير النصب، وتزيين الطمع. كان ابن العم يعيش حياة مستقرة نسبيًا وهو عصامي ومتعلم حتى أعلى الدرجات، ورث بناية عن أخيه الذي توفي باكرًا، فصارت تلك الملكية مصدر أمان له ولعائلته. لكن في عيون ربّ العائلة المشعوذة، لم تكن تلك البناية سوى “غنيمة مؤجلة”. منذ تلك اللحظة، بدأ الحسد يتغلغل في صدره، يكبر بصمت، ويتحوّل إلى خطة. لم يُظهر المشعوذ ما في داخله. على العكس، لبس قناع القريب الودود. صار يتردد إلى منزل ابن عمه، يطرق الباب بابتسامة، يحمل معه أحيانًا بعض التحف أو المفروشات العتيقة، يعرضها بأسلوب يوحي بأنها فرصة لا تعوّض. كان يضعها عندهم “للتجربة”، ثم بعد أيام، يبدأ الضغط: إما أن تُشترى، أو تُستبدل بالمال السابق. وهنا الحيلة الأخطر: فقد كان يستغل واقع أنه وزوجته قد اقترضا سابقًا مبالغ من ابن عمه أو من شقيقته، فيحوّل الدين إلى أداة ابتزاز. يخلط الحسابات، يربك الأرقام، ويطرح تسويات مبهمة، بحيث يجد الضحية نفسه في نهاية المطاف وكأنه هو المدين، لا الدائن. أما زوجته المشعوذة، فكان لها دور مكمّل لا يقل خطورة. في الجلسات التي تسميها “علنية”، كانت تزرع أفكارًا في عقول الحاضرين، توحي لهم بأن ما يقوم به زوجها هو “توازن في الحقوق”، أو “ردّ لما اختلّ من طاقات”. كانت تُجمّل الفعل، تعطيه غلافًا روحانيًا، فتُضعف قدرة الضحية على الشك أو الاعتراض. ولم يقتصر الأمر على ابن العم فقط، بل امتدّ إلى ابن العمّة أيضًا. نفس الأسلوب، نفس التودّد المزيّف، ونفس لعبة المفروشات والديون. لكن الأخطر كان اللعب على العاطفة العائلية: “نحن أهل… لا داعي للتدقيق… الأمور بيننا تُحلّ بالثقة”. وهنا، تتحوّل الثقة إلى فخ. في العمق، لم يكن ما يحدث مجرد نصب تقليدي، بل كان بناءً تدريجيًا لمنظومة سيطرة: إرباك مالي، ضغط نفسي، واستغلال للعلاقات العائلية، مغطّى بخطاب روحاني زائف. وهكذا بدأ بمدّ خيوطه بخبثٍ أكبر نحو ابن عمّته، مستغلًا بساطته وثقته العائلية التي لم تكن يومًا تتخيّل أن تتحوّل إلى أداة استنزاف. بدأت الحكاية بإغراءٍ محسوب. جلس معه ذات مساء، بنبرة الواثق الخبير، يحدثه عن “فرصة لا تُعوّض”، وعن تجارةٍ مزدهرة، وأرباحٍ مضمونة، وعن مشروع “سيغيّر حياتهما معًا”. لم يكن العرض مجرد فكرة، بل جاء مغلّفًا بتفاصيل تبدو واقعية، وأرقام تُغري، وكلماتٍ مدروسة تُلامس الطموح. ومع الأيام، أخذ الإقناع شكلاً أعمق. لم يعد الأمر مجرد شراكة، بل “دعم عائلي”، “وقفة بين الأقارب” و”استثمار في المستقبل المشترك”. هنا، تهاوت الحواجز الأخيرة، فاقتنع ابن العمّة ببيع قطعة أرض يملكها، وجمع المال، وسلّمه لابن خاله بثقةٍ كاملة، ظنًا منه أنه يخطو نحو شراكة حقيقية. لكن ما إن وقعت الأموال في يد المشعوذ، حتى انقلب المشهد. ببرودةٍ لافتة، أعلن فضّ الشراكة. برّر ذلك بأن العمل “أصبح كبيرًا ومعقّدًا”، وأنه يفضّل الاستمرار وحده “لتجنّب المشاكل”. ثم ألقى بوعدٍ بدا في ظاهره منصفًا: إعادة المبلغ الأصلي… دون أي أرباح. كان وقع الصدمة قاسيًا، لكن ابن العمّة، المثقل بثقافة الرضا وقبول الأمر الواقع، لم يجد أمامه إلا التسليم. وافق، على أمل أن يستعيد على الأقل ما دفعه. وهنا، بدأ الفصل الأشد قسوة من الخدعة. لم يُعد المشعوذ المال كما وعد، بل شرع في تقسيطه بطريقة تُفرغ الوعد من معناه. دفعات صغيرة، متباعدة، غير منتظمة، تُقدَّم وكأنها “جهد كبير” منه. وفي أحيانٍ أخرى، كان يأتي بمفروشات رثة، يدّعي أنها “قطع أثرية نادرة”، ويعرضها كجزء من السداد. كان يزيّن تلك القطع بكلماتٍ منمّقة، يضخّم قيمتها، يروي قصصًا عن أصلها وتاريخها، حتى يكاد الضحية يصدّق أنه يستلم كنزًا لا يُقدّر بثمن، بينما الحقيقة أنها لا تساوي شيئًا يُذكر. وهكذا، تحوّل المال الحقيقي إلى أوهام، والحقوق الواضحة إلى صفقاتٍ ملتبسة، لا يستطيع الضحية فيها أن يثبت شيئًا أو يستردّ حقًا. في هذا المشهد، تتجلّى براعة المشعوذ في إعادة تشكيل الوقائع: يأخذ مالًا حقيقيًا، ويعيد مقابله وعودًا، ثم يستبدل الوعود بأشياء بلا قيمة، ويُقنع الضحية أن كل ذلك “تسوية عادلة”. إنها ليست مجرد عملية نصب، بل منظومة خداع متكاملة، تقوم على استنزاف الثقة قبل المال، وعلى تحويل الضحية من صاحب حق إلى متلقٍ ممتنّ لما يُعطى له. وهنا، تزداد الصورة قتامة: فكلما طال الزمن، تلاشت القدرة على المواجهة، وتحوّلت الخسارة إلى أمرٍ واقع، يلتفّ حوله الصمت.






