القوّاد الذي يقود

في زوايا المجتمعات الأكثر عتمة حيث تتآكل القيم وتضعف المحاسبة وتنعدم المعايير الأخلاقية، تبرز شخصيات لا تكتفي بالانحراف، بل تبني منه سلطة. “القوّاد” هنا ليس مجرد شخص يمارس الرذيلة، بل نموذج فاقع لانهيار المعايير، حيث يتحول الاستغلال إلى مهنة، والابتذال إلى محاولة تأثير.
هو شخص يستغل النساء، ويتاجر بصغار السن بلا وازع، يتنقل بين العتمة والعلن بوجهٍ لا يعرف الخجل. لا يخفي حقيقته، بل يفرضها كأمر واقع، مستنداً إلى شبكة من العلاقات الوقتية التي يصنعها بدهاء، فيبدو للبعض كأنه “رجل أعمال” أو “صاحب نفوذ”، بينما حقيقته أبعد ما تكون عن ذلك.
غير أن المأساة لا تكمن فيه وحده، بل في البيئة التي تسمح له بالتمدد. كما أن هناك من يقترب منه، من أصحاب مهن يُفترض أنها نبيلة، لا بدافع الجهل، بل بدافع المصلحة. يسايرونه، يجالسونه، يتغاضون عن أفعاله، بل يفتحون له أبواباً ما كان ليبلغها وحده. هؤلاء لا يقلّون خطراً عنه، لأنهم يمنحونه الشرعية التي لا يستحقها.
وهكذا، ينقلب المشهد: يصبح القوّاد قائداً. لا لأنه أهل للقيادة، بل لأن الآخرين قبلوا به، أو صمتوا عنه، أو استفادوا منه.
الأخطر من ذلك هو اعتياد هذا المشهد. حين يرى الناس الفاسد في موقع المحترم، تتبلد حساسية المجتمع، وتضيع الحدود بين المقبول والمرفوض. يصبح الانحراف طريقاً مختصراً، وتتحول القيم إلى شعارات فارغة.
“القوّاد الذي يقود” ليس مجرد عنوان صادم، بل تحذير. تحذير من ضعيف نفس يسلّم زمامه لمن يبتزه أخلاقياً، ويغضّ الطرف عن فساده. فحين يُكافأ الانحراف بالصمت، لا يعود السؤال: لماذا يقود القوّاد؟ بل: من الذي سمح له أن يقود؟
ربيع داغر
مقالات | ARTICLES
من الرابح والخاسر بين الأحزاب المسيحية بعد التفاهم الأميركي – الإيراني؟
العائلة المشعوذة – الحلقة الثالثة عشرة: طباع الشاندالا







