القوّاد الذي يقود

في زوايا المجتمعات الأكثر عتمة حيث تتآكل القيم وتضعف المحاسبة وتنعدم المعايير الأخلاقية، تبرز شخصيات لا تكتفي بالانحراف، بل تبني منه سلطة. “القوّاد” هنا ليس مجرد شخص يمارس الرذيلة، بل نموذج فاقع لانهيار المعايير، حيث يتحول الاستغلال إلى مهنة، والابتذال إلى محاولة تأثير.
هو شخص يستغل النساء، ويتاجر بصغار السن بلا وازع، يتنقل بين العتمة والعلن بوجهٍ لا يعرف الخجل. لا يخفي حقيقته، بل يفرضها كأمر واقع، مستنداً إلى شبكة من العلاقات الوقتية التي يصنعها بدهاء، فيبدو للبعض كأنه “رجل أعمال” أو “صاحب نفوذ”، بينما حقيقته أبعد ما تكون عن ذلك.
غير أن المأساة لا تكمن فيه وحده، بل في البيئة التي تسمح له بالتمدد. كما أن هناك من يقترب منه، من أصحاب مهن يُفترض أنها نبيلة، لا بدافع الجهل، بل بدافع المصلحة. يسايرونه، يجالسونه، يتغاضون عن أفعاله، بل يفتحون له أبواباً ما كان ليبلغها وحده. هؤلاء لا يقلّون خطراً عنه، لأنهم يمنحونه الشرعية التي لا يستحقها.
وهكذا، ينقلب المشهد: يصبح القوّاد قائداً. لا لأنه أهل للقيادة، بل لأن الآخرين قبلوا به، أو صمتوا عنه، أو استفادوا منه.
الأخطر من ذلك هو اعتياد هذا المشهد. حين يرى الناس الفاسد في موقع المحترم، تتبلد حساسية المجتمع، وتضيع الحدود بين المقبول والمرفوض. يصبح الانحراف طريقاً مختصراً، وتتحول القيم إلى شعارات فارغة.
“القوّاد الذي يقود” ليس مجرد عنوان صادم، بل تحذير. تحذير من ضعيف نفس يسلّم زمامه لمن يبتزه أخلاقياً، ويغضّ الطرف عن فساده. فحين يُكافأ الانحراف بالصمت، لا يعود السؤال: لماذا يقود القوّاد؟ بل: من الذي سمح له أن يقود؟
ربيع داغر
مقالات | ARTICLES
تسريبات "500 ألف ليرة للدولار".. ضغط اقتصادي أم إشارة تحذيرية في توقيت حساس؟

العائلة المشعوذة – الحلقة الثامنة: حينما يرتدي الطمع قناع القرابة في هذه الحلقة، نقترب أكثر من قلب العائلة المشعوذة، أو بالأحرى من رأسها المدبّر، ذاك الذي لا يرى في صلة الدم إلا فرصة، ولا في القرابة إلا بابًا للنفوذ والاستغلال. هنا، لا يعود الاحتيال مجرد أفكار عابرة، بل يتحوّل إلى وسيلة نفسية وذهنية لإحكام السيطرة، وتبرير النصب، وتزيين الطمع. كان ابن العم يعيش حياة مستقرة نسبيًا وهو عصامي ومتعلم حتى أعلى الدرجات، ورث بناية عن أخيه الذي توفي باكرًا، فصارت تلك الملكية مصدر أمان له ولعائلته. لكن في عيون ربّ العائلة المشعوذة، لم تكن تلك البناية سوى “غنيمة مؤجلة”. منذ تلك اللحظة، بدأ الحسد يتغلغل في صدره، يكبر بصمت، ويتحوّل إلى خطة. لم يُظهر المشعوذ ما في داخله. على العكس، لبس قناع القريب الودود. صار يتردد إلى منزل ابن عمه، يطرق الباب بابتسامة، يحمل معه أحيانًا بعض التحف أو المفروشات العتيقة، يعرضها بأسلوب يوحي بأنها فرصة لا تعوّض. كان يضعها عندهم “للتجربة”، ثم بعد أيام، يبدأ الضغط: إما أن تُشترى، أو تُستبدل بالمال السابق. وهنا الحيلة الأخطر: فقد كان يستغل واقع أنه وزوجته قد اقترضا سابقًا مبالغ من ابن عمه أو من شقيقته، فيحوّل الدين إلى أداة ابتزاز. يخلط الحسابات، يربك الأرقام، ويطرح تسويات مبهمة، بحيث يجد الضحية نفسه في نهاية المطاف وكأنه هو المدين، لا الدائن. أما زوجته المشعوذة، فكان لها دور مكمّل لا يقل خطورة. في الجلسات التي تسميها “علنية”، كانت تزرع أفكارًا في عقول الحاضرين، توحي لهم بأن ما يقوم به زوجها هو “توازن في الحقوق”، أو “ردّ لما اختلّ من طاقات”. كانت تُجمّل الفعل، تعطيه غلافًا روحانيًا، فتُضعف قدرة الضحية على الشك أو الاعتراض. ولم يقتصر الأمر على ابن العم فقط، بل امتدّ إلى ابن العمّة أيضًا. نفس الأسلوب، نفس التودّد المزيّف، ونفس لعبة المفروشات والديون. لكن الأخطر كان اللعب على العاطفة العائلية: “نحن أهل… لا داعي للتدقيق… الأمور بيننا تُحلّ بالثقة”. وهنا، تتحوّل الثقة إلى فخ. في العمق، لم يكن ما يحدث مجرد نصب تقليدي، بل كان بناءً تدريجيًا لمنظومة سيطرة: إرباك مالي، ضغط نفسي، واستغلال للعلاقات العائلية، مغطّى بخطاب روحاني زائف. وهكذا بدأ بمدّ خيوطه بخبثٍ أكبر نحو ابن عمّته، مستغلًا بساطته وثقته العائلية التي لم تكن يومًا تتخيّل أن تتحوّل إلى أداة استنزاف. بدأت الحكاية بإغراءٍ محسوب. جلس معه ذات مساء، بنبرة الواثق الخبير، يحدثه عن “فرصة لا تُعوّض”، وعن تجارةٍ مزدهرة، وأرباحٍ مضمونة، وعن مشروع “سيغيّر حياتهما معًا”. لم يكن العرض مجرد فكرة، بل جاء مغلّفًا بتفاصيل تبدو واقعية، وأرقام تُغري، وكلماتٍ مدروسة تُلامس الطموح. ومع الأيام، أخذ الإقناع شكلاً أعمق. لم يعد الأمر مجرد شراكة، بل “دعم عائلي”، “وقفة بين الأقارب” و”استثمار في المستقبل المشترك”. هنا، تهاوت الحواجز الأخيرة، فاقتنع ابن العمّة ببيع قطعة أرض يملكها، وجمع المال، وسلّمه لابن خاله بثقةٍ كاملة، ظنًا منه أنه يخطو نحو شراكة حقيقية. لكن ما إن وقعت الأموال في يد المشعوذ، حتى انقلب المشهد. ببرودةٍ لافتة، أعلن فضّ الشراكة. برّر ذلك بأن العمل “أصبح كبيرًا ومعقّدًا”، وأنه يفضّل الاستمرار وحده “لتجنّب المشاكل”. ثم ألقى بوعدٍ بدا في ظاهره منصفًا: إعادة المبلغ الأصلي… دون أي أرباح. كان وقع الصدمة قاسيًا، لكن ابن العمّة، المثقل بثقافة الرضا وقبول الأمر الواقع، لم يجد أمامه إلا التسليم. وافق، على أمل أن يستعيد على الأقل ما دفعه. وهنا، بدأ الفصل الأشد قسوة من الخدعة. لم يُعد المشعوذ المال كما وعد، بل شرع في تقسيطه بطريقة تُفرغ الوعد من معناه. دفعات صغيرة، متباعدة، غير منتظمة، تُقدَّم وكأنها “جهد كبير” منه. وفي أحيانٍ أخرى، كان يأتي بمفروشات رثة، يدّعي أنها “قطع أثرية نادرة”، ويعرضها كجزء من السداد. كان يزيّن تلك القطع بكلماتٍ منمّقة، يضخّم قيمتها، يروي قصصًا عن أصلها وتاريخها، حتى يكاد الضحية يصدّق أنه يستلم كنزًا لا يُقدّر بثمن، بينما الحقيقة أنها لا تساوي شيئًا يُذكر. وهكذا، تحوّل المال الحقيقي إلى أوهام، والحقوق الواضحة إلى صفقاتٍ ملتبسة، لا يستطيع الضحية فيها أن يثبت شيئًا أو يستردّ حقًا. في هذا المشهد، تتجلّى براعة المشعوذ في إعادة تشكيل الوقائع: يأخذ مالًا حقيقيًا، ويعيد مقابله وعودًا، ثم يستبدل الوعود بأشياء بلا قيمة، ويُقنع الضحية أن كل ذلك “تسوية عادلة”. إنها ليست مجرد عملية نصب، بل منظومة خداع متكاملة، تقوم على استنزاف الثقة قبل المال، وعلى تحويل الضحية من صاحب حق إلى متلقٍ ممتنّ لما يُعطى له. وهنا، تزداد الصورة قتامة: فكلما طال الزمن، تلاشت القدرة على المواجهة، وتحوّلت الخسارة إلى أمرٍ واقع، يلتفّ حوله الصمت.

بعنوان: الشر المستطير يشمل أبناء الإخوة والأخوات في هذه الحلقة، يتسع نطاق الشر ليخرج من حدود الأسرة الصغيرة إلى دائرة الأقارب، حيث يكشف الزوجان المشعوذان عن وجهٍ أكثر قسوة ودهاء. لم يعد هدفهما السيطرة على من هم تحت سقفهما فقط، بل امتدت أيديهما لتطال أبناء الإخوة والأخوات، أولئك الشبان الذين يقفون على عتبة الحياة، حالمين بمستقبل أفضل، فإذا بهم يُدفعون إلى هاوية لا قرار لها. بأسلوبٍ ماكر، يبدأ المشعوذ وزوجته بزرع أفكار خادعة في عقول هؤلاء الشبان. يزينان لهم ترك التعليم، ويصوّران العمل التقليدي وكأنه عبودية لا تليق بهم، ويغرسون في نفوسهم وهم “الفرصة السهلة” التي لا تحتاج إلى تعب أو صبر. وهكذا، شيئاً فشيئاً، ينفصل الشبان عن مسارهم الطبيعي، ويقعون في المصيدة. تكون البداية عبر إدخالهم إلى عالم الموبيليا والأنتيكا، ذلك العالم الذي يبدو من الخارج مربحاً ومغرياً، لكنه في الحقيقة مليء بالتقلبات والمخاطر. يُدفع هؤلاء المغرر بهم إلى خوض تجارة لا يملكون أدنى خبرة فيها، فيُستهلكون في أعما كالدوامات، ويطاردون أرباحاً سرعان ما تتحول إلى خسائر وركود. ومع مرور الوقت، يضيع ربيع أعمارهم في وهمٍ لا يتحقق. ومع تضاؤل الخيارات، يجد هؤلاء الشبان أنفسهم أسرى هذا المسار، لا يعرفون سواه. تتكرر الخسائر، ويشتد الفقر، حتى يصلوا إلى مرحلة يضطرون فيها لبيع ممتلكاتهم الموروثة، آخر ما تبقى لهم من أمان واستقرار. وهنا، يظهر الوجه الحقيقي للمشعوذ وزوجته. يتدخل الزوجان، ومعهما لاحقاً الابنة المشعوذة الغيداء، ليفرضوا شروطهم. فتحت غطاء القربى وذريعة “شفعة الأرض”، يحددون الأسعار كما يشاؤون، مستغلين حاجة البائع وضعفه. وإذا لم يتم البيع، يلجأون إلى حيلة أخرى: إقناع الضحية باستثمار جديد في الأنتيكا، يعدونه فيه بأرباح كبيرة، لكن نهايته تكون دائماً خسارة كاسحة، تقضي على ما تبقى من أمل. فتشاهد أحد هؤلاء الضحايا قد فقد عائلته وأصبح سكيرا. وآخر تورط في شيكات بلا رصيد دون أن يعلم فهرب وأطال الهروب؛ وآخر إنزلق إلى أعمال خطيرة عله يعيل عائلته فأصبحت الشكاوى تطارده. هكذا يحل الخراب حيثما تتدخل العائلة المشعوذة أو حتى تهمس أو تلمس.

الحلقة الأولى: وجوهٌ تُرحّب... وقلوبٌ تُخطّط لم تكن “العائلة المسالمة” كما يُخيَّل لمن يسمع باسمها. ففي ذاك المنزل الهادئ، حيث تُفتح الأبواب بابتسامة دافئة، وتُقدَّم القهوة مع كلمات الترحيب، كانت هناك لعبة خفية تُدار بإتقان… لعبة لا يراها إلا من وقع فيها. الزوج، رجل بملامح هادئة وصوت منخفض، كان يُجيد فن الإقناع كما يُجيد التنفس. يُعرّف عن نفسه بأنه صريح، لا يعرف الكذب، ويكره الالتواء. لكن صراحته لم تكن سوى قناعٍ شفاف يخفي خلفه مهارة عالية في توجيه الحديث، وسحب خيوط الحوار دون أن يشعر الطرف الآخر. أما الزوجة، فكانت أكثر دهاءً. تظهر بمظهر المرأة غيرة زوجها عليها، تتدخل في اللحظات المناسبة، تراقب الضيف بعينين لا تنامان، وتلقي عبارات توحي بالخطر إن اقترب أكثر مما ينبغي… لكنها في الحقيقة كانت تُكمل الدور، لا تعيقه. كانا يعملان كفريقٍ متكامل. هو يفتح الباب… وهي تُغلق الدائرة. لم يكن كل الناس يُدعون إلى ذلك البيت. الفقراء، البسطاء، أو أولئك الذين لا يُنتظر منهم نفع… كانوا خارج الحسابات. أما الضيوف “المناسبون”، أولئك الذين يملكون المال أو النفوذ أو حتى مجرد السذاجة المغرية، فكانوا يُستقبلون وكأنهم ضيوف شرف في مسرحية معدّة بعناية. في البداية، كل شيء يبدو طبيعيًا. ضحكات، قصص، اهتمام مبالغ فيه أحيانًا… ثم يبدأ الزوج بسرد حكاياته عن الصدق، عن الخيانة التي تعرض لها، عن قسوته على نفسه لأنه لا يعرف المجاملة. وهنا يأتي دور الزوجة. تقاطعه بنبرة حادة: “هو هكذا… لا يعرف الكذب، حتى لو خسر كل شيء”. تلك الجملة، كانت المفتاح. تُزرع في عقل الضيف كحقيقة مطلقة، فيبدأ تدريجيًا بفقدان قدرته على الشك. ومع مرور الوقت، يصبح الجو أكثر حميمية… أكثر قربًا. الضيف لم يعد ضيفًا، بل “صديقًا”. ثم “مقربًا”. ثم… شيئًا بين الإثنين، لا يعرف كيف وصل إليه. في تلك اللحظة بالذات، يكون قد دخل الدائرة. دائرة لا يُسمع فيها إلا صوتهم، ولا يُرى فيها إلا ما يريدون. وهنا… تبدأ الطلبات. طلبات صغيرة في البداية. مساعدة بسيطة. رأي. خدمة. ثم تكبر… دون أن يشعر. فهذا الضيف، الذي جاء بكامل وعيه، يصبح كأنه خرج من ذاته. كأن عقله قد غُسل بهدوء، دون صدمة، دون مقاومة. يُطيع، يُبرر بل ويدافع عنهم أحيانًا… وهو لا يدرك أنه لم يعد كما كان. وفي نهاية كل زيارة، يخرج وهو يشعر بشيء غريب… راحة ممزوجة بثقل، ثقة ممزوجة بشك، لكنّه لا يجد تفسيرًا. أما داخل المنزل، فتُغلق الأبواب، وتتبادل العائلة المسالمة نظرات صامتة: لقد نجحت الجولة الأولى.

في هذه الحلقة، يتكشّف الوجه الأكثر قسوةً وابتذالاً في شخصية ربّ العائلة المشعوذة؛ ذاك الرجل الذي لم يعرف يوماً معنى الاكتفاء، ولم يختبر شعور الشبع من المال المنهوب، ولا حتى من إذلال الآخرين. كان الطمع فيه أشبه بنهرٍ هائج، لا يجفّ، ولا يهدأ، ولا يرتوي مهما ابتلع من ضفاف. لم يكن هذا الطمع وليد اللحظة، بل كان سمةً متجذّرة في أعماقه، تتغذّى من عقدٍ دفينة وشعورٍ دائم بالنقص والدونية، فيحاول تعويضه عبر التسلّط والنهب المقنّع. ومن أكثر فصول هذا الطمع سواداً، تلك الحكاية التي جمعت بينه وبين شقيقة زوجته، المرأة الميسورة التي وثقت به، فكان هو أوّل من طعن تلك الثقة. بدأت القصة بوجهٍ زائف من التودّد. زيارات متكرّرة، كلمات معسولة، ووعود بمشاريع وهمية تُدرّ أرباحاً خيالية. كان يتقن لعبة الإقناع حدّ الكمال، فينسج الأكاذيب كما ينسج العنكبوت خيوطه، دقيقةً ومتماسكة، لكنها قاتلة. ومع كل لقاء، كانت تلك المرأة تنزلق أكثر في فخّه، تدفع الأموال تلو الأموال، مدفوعةً بالأمل تارةً، وبالحرج العائلي تارةً أخرى. ولم يكتفِ بالتوسّل والترغيب، بل لجأ إلى أساليب أكثر خبثاً؛ استدرار العطف عبر قصصٍ مختلقة عن ضائقاتٍ مالية، وعن “فرص” إن لم تُغتنم تضيع إلى الأبد. كان يمارس نوعاً من الابتزاز العاطفي المقنّع، يخلط فيه بين القربى والشفقة والطمع، حتى فقدت الضحية القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم. وفي موازاة ذلك، لم تسلم زوجته من بطشه واستغلاله. فقد حوّلها إلى أداةٍ في مشاريعه القذرة، يضغط عليها لتكون الواجهة الناعمة التي تُمرّر من خلالها مخططاته. كان يُحرجها، يفرض عليها الصمت، ويجعلها شريكةً قسرية في عملياته، حتى باتت تعيش ازدواجية قاسية بين خضوعها له واحتقارها لما يجري. أما الوجه الأخطر في طمعه فكان تجارته المشبوهة بالقطع الأثرية وإلزام أقاربه بالشراء منه تحت حجج مختلفة؛ فكان يواظب على بيع أخوي زوجته الإثنين عشرات القطع بأضعاف أثمانها. لم تكن هذه التجارة سوى امتدادٍ لجشعه، حيث كان يستغل العلاقات العائلية وأواصر القربى للحصول على أرباح؛ في مشهدٍ يعكس إلى أي حدّ انحدر في سلّم الأخلاق. لم يكن المال بالنسبة له وسيلة عيش، بل كان غايةً بحدّ ذاته، هوساً يلتهم كل ما حوله: علاقاته، أسرته، وحتى إنسانيته. وكلما ازداد ماله، ازداد فقره الداخلي، كمن يشرب من ماء البحر، يزداد عطشاً كلما ارتوى. وفي نهاية هذه الحلقة، لا يبدو أن لهذا الطمع نهاية قريبة. بل على العكس، كل المؤشرات تدلّ على أن سقوطه – إن حدث – سيكون مدوّياً، لأن من يبني حياته على الخداع والسلب، لا بدّ أن تأتي لحظة يُسلب فيها كل شيء. إنها حكاية رجلٍ لم يعرف حدّاً لنفسه، فابتلعته رغباته، وتحول من إنسانٍ إلى ظلٍّ جشع، لا يرى في الآخرين سوى فرصٍ للنهب، ولا في الحياة سوى ساحةٍ مفتوحة للطمع الذي… لا يشبع.

لم يكن قضاء البترون بمنأى عن تداعيات الحرب الأخيرة، إذ انعكست موجات النزوح الداخلي بشكل مباشر على واقعه الاقتصادي، محدثةً تحولات ملحوظة في أنماط الاستهلاك والحركة التجارية. وبينما شهدت بعض القطاعات انتعاشًا ملحوظًا بفعل الطلب المتزايد على الحاجات الأساسية، عانت قطاعات أخرى من تراجع حاد نتيجة الصدمة النفسية وتقييد حركة التنقل بين المناطق. في مقدمة القطاعات المستفيدة، برزت محال السوبرماركت التي سجلت نشاطًا غير مسبوق، مدفوعة بارتفاع إقبال المقيمين والنازحين على حد سواء. فقد تحوّلت هذه المحال إلى نقطة ارتكاز يومية لتأمين الاحتياجات الغذائية الأساسية، في ظل حالة من القلق دفعت الأسر إلى تخزين المواد الغذائية بشكل أكبر من المعتاد. كما شهدت محال الخضار والفواكه حركة نشطة، خصوصًا مع ازدياد الاعتماد على الطهو المنزلي بدلًا من تناول الطعام في الخارج. وينطبق الأمر ذاته على الأفران التي كثّفت إنتاجها لتلبية الطلب المتزايد على الخبز والمناقيش، باعتبارها من السلع الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها في الظروف الصعبة. ولم يقتصر النشاط على المواد الغذائية فقط، بل امتدّ أيضًا إلى بعض محال الألبسة، ولا سيما تلك التي توفّر الملابس بأسعار مقبولة، إذ احتاج العديد من النازحين إلى تأمين مستلزمات جديدة بعد مغادرتهم منازلهم على عجل، غالبًا دون القدرة على اصطحاب مقتنياتهم الشخصية. في المقابل، تكبّدت المطاعم والمقاهي وأماكن الترفيه خسائر واضحة، حيث تراجعت الحركة فيها بشكل كبير. ويُعزى ذلك إلى عاملين أساسيين: الأول هو الصدمة النفسية التي خلّفتها الحرب، والتي حدّت من رغبة الناس في الإنفاق على الترفيه، والثاني هو صعوبة التنقل بين المناطق نتيجة الظروف الأمنية، ما قلّص من عدد الزبائن، خصوصًا القادمين من خارج القضاء. إن هذه التحولات تعكس نمطًا اقتصاديًا طارئًا يفرضه واقع الأزمات، حيث تتقدّم الأولويات المعيشية على سواها، وتتراجع الأنشطة المرتبطة بالرفاهية. ومع استمرار حالة عدم الاستقرار، يبقى الاقتصاد المحلي في قضاء البترون رهينة التوازن الدقيق بين الحاجات الأساسية للسكان والقدرة على استعادة دورة الحياة الطبيعية في مختلف قطاعاته.

لم يكن دخولها إلى بيت المشعوذ يوماً عادياً، بل كان بداية سقوطٍ بطيء لا يُسمع له صوت. دخلت بلا زفّة، بلا فرح، بلا حتى نظرة تقدير. كأنها لم تكن عروساً، بل غنيمةً أُحضرت إلى مكانٍ لا روح فيه. فمنذ اللحظة الأولى، شعرت بأن الأرض التي تمشي عليها ليست أرضاً، بل فخٌّ واسع. في الأيام الأولى، بدأ الإذلال ينهال عليها كالسوط. كلماتٌ قاسية تُقال أمام أهلها، نظرات احتقار تُلقى عليها دون سبب. كان المشعوذ يجرّدها من كرامتها قطعةً قطعة، وكأنه يستمتع برؤية انكسارها. لم يكن يضربها فقط، بل كان يحطم داخلها من كل ما يجعلها إنسانة. ومع مرور الوقت، لم يعد يكتفي بإذلالها أمام أهلها، بل أمام أولادها أيضاً. جعلهم يرون أمهم ضعيفة، خاضعة، بلا صوت. كانت تلك أقسى الضربات… أن ترى نظرات الخوف في عيونهم، ونظرات الاحتقار التي زرعها فيهم تجاهها. تعذيبها لم يكن جسدياً فقط… بل نفسياً، يومياً، متواصلاً. حرمان، تهديد، تحقير، وإشعار دائم بأنها لا تساوي شيئاً. حتى جاء اليوم… الذي انكسرت فيه بالكامل. في ذلك الحين لم تعد تقاوم. لم تعد تعترض ولم تعد تفكر بالهرب حتى. استسلمت. وهنا… تغيّرت. تحولت من ضحية إلى شريكة؛ فقد تجذر فيها عارض "ستوكهولم". بدأت تبرر أفعاله، ثم تساعده، ثم تشارك في ألاعيبه. شيئاً فشيئاً، أصبحت جزءاً من عالمه المظلم. ساعدته في نصبِه، في احتياله وخداعه، في سرقاته التي كانت تُغطّى بثوبٍ من “اللباقة” و”التهذبب”. لم تعد تلك الفتاة الوديعة التي نشأت في بيتٍ مليء بالشهامة. فوالدها… كان رجلاً مختلفاً: رجلٌ معروف بالكرم، بالضيافة وبالاتزان. ووالدتها الطيبة والحنونة والحاضنة لعائلتها. بيتهم كان مفتوحاً للجميع، مليئاً بالدفء والصدق. لكنها… خرجت من سهوب النور، وسكنت في خيام الظلام. بفعل العشرة… بفعل القهر… بفعل الانكسار الطويل، أصبحت كائناً آخر: طماعة… خبيثة… لا يُؤمن جانبها. لم تعد تشبه نفسها. بل أصبحت نسخةً مشوهة من المشعوذ الذي دمّرها. ربيع داغر


