العائلة المشعوذة - الحلقة الحادية عشرة بعنوان "الشمطاء الشوهاء"

في العائلة المشعوذة، لا يتوقف الشر عند جيل، ولا ينتهي عند شخص، بل يتكاثر كالفطريات السامة في الجدران الرطبة، ويورّث كما تُورَّث اللعنة داخل البيوت الملعونة. ولذلك، عندما كان ربّ العائلة المشعوذة يتعب من أعماله الشريرة، أو يخفّ اندفاعه نحو الأذية والاحتيال والتلاعب بالبشر بدافع الإنهاك لا الضمير، كانت هناك دائمًا من تكمّل الطريق عنه، وتسهر على بقاء الخراب مشتعلًا في النفوس والبيوت. تلك هي الابنة الوسطى، التي أطلق عليها أهل البلدة لقب: “الشمطاء الشوهاء”.
ولم يكن اللقب عبثيًا أو عابرًا، بل كان أشبه بوصف كامل لشخصيتها وهيئتها وأثرها بين الناس. فمنذ طفولتها، بدت كأنها خرجت من عمر آخر؛ طفلة بملامح عجوز، ونظرات متعبة، وروح قاسية تفتقد البراءة الطبيعية التي تُولد عادة مع الأطفال. كانت تتحرك بين الناس بوجه يحمل شيئًا من العبوس الدائم، وكأن الحقد سبق عمرها بسنوات طويلة.
ومع مرور الزمن، لم تحمل إليها سنوات الشباب أي إشراق أو توازن، بل بدا كأن القبح الداخلي أخذ يفرض سلطته شيئًا فشيئًا على الشكل والصوت والحضور. وهنا يتذكر المرء تحليل الفيلسوف نيتشه Friedrich Nietzsche حين تحدّث عن العلاقة العميقة بين الداخل والخارج، بين النفس والملامح، وكأن الروح عندما تتشوه طويلًا تبدأ بنحت آثارها على الوجه والجسد والحركة والكلام.
فالشمطاء لم تكن بشعة الهيئة فحسب في نظر الناس، بل كانت مضطربة النفس، متكسّرة العقل، خرقاء في أحكامها، تعيش على الفوضى كما تعيش الحشرات على العفن والعتمة. لا تهدأ إلا عندما ترى خلافًا يشتعل، أو علاقة تتفكك، أو إنسانًا يقع في الحيرة والخصومة. كانت تمارس التهريب والخداع والتلاعب، لا بدافع الحاجة أو الفقر أو الضرورة، بل بدافع اللذة نفسها؛ لذة التخريب وتسميم العلاقات بين البشر.
ولأنها تدرك أن الشر الصريح يفضح نفسه بسرعة، فقد أتقنت لعبة الأقنعة. فتارةً تظهر بثياب “الفنانة” المتحررة، تتحدث عن الثقافة والجمال والحرية، وطورا ترتدي قناع الواعظة المتديّنة، فتبشّر بالـ“رب” وتغرق في الكلام الروحي والمواعظ الأخلاقية، بينما كانت في حقيقتها تستعمل كل تلك العناوين الراقية كأدوات تمويه وخداع، مثل لصّ يضع العطر على يديه قبل السرقة.
وكان أهل البلدة يدركون بالفطرة أن شيئًا مريضًا يسكن خلف تلك الوجوه المتبدلة، لأن الإنسان مهما أتقن التمثيل، تبقى روحه الحقيقية تتسرّب من عينيه ومن طريقته في إيذاء الناس.
أما ربّ العائلة المشعوذة، فقد وجد فيها امتداده الطبيعي، وذراعه التي تكمل ما يعجز عنه أحيانًا. فإذا تلهى عن التخطيط للأذى، تابعت هي المهمة بحماسة أشدّ، وكأنها دمية محرّكة بخيوط الشر نفسها. كانا يشبهان بعضهما بصورة مخيفة؛ يكمل أحدهما الآخر في السعي خلف أموال الناس وأرزاقهم، من دون تعب أو جهد أو عمل شريف، بل عبر الابتزاز والتلاعب النفسي وزرع الانقسامات واستغلال نقاط ضعف البشر.
وهكذا، أصبحت “الشمطاء الشوهاء” أشبه بطاقة سوداء تسري داخل العائلة المشعوذة؛ كلما خف نور الشر عند أحدهم، اشتعل فيها من جديد. فهي لا تعرف البناء، ولا تفهم معنى الإنتاج أو المحبة أو التعب النظيف، بل تعيش على ما ينهار حولها، كأن خراب الآخرين هو الغذاء الوحيد القادر على إبقائها حيّة.
ولذلك لم يذكرها الناس يومًا بوصفها صبية ناجحة أو موهوبة أو صالحة، بل بوصفها علامة من علامات الانحطاط الذي يصيب العائلات حين تتحول المصالح والخديعة والطمع إلى عقيدة يومية. ففي بعض البيوت، لا يولد الأبناء امتدادًا للحياة… بل امتدادًا للخراب نفسه.
مقالات | ARTICLES







