الديمقراطية قد لا تكون صالحة لمجتمع يسوده الجهل
لطالما قُدِّم لبنان على أنه نموذج للحرية والديمقراطية في محيطه العربي، واعتُبرت هذه السمة مصدر تفوّق ثقافي وسياسي على سائر دول الشرق، غير أن هذه المزايا المزعومة كانت تتهاوى في كل استحقاق مصيري، مع إصرار دائم على تحميل المسؤولية للخارج أو التذرّع بالطائفية كسبب جاهز للفشل. إلا أن التمعّن في جوهر الأزمة يكشف أن الخلل الأساسي كامن في بنية المجتمع اللبناني نفسه، الذي لم يبلغ بعد نضجه السياسي، ولا يزال مثقلاً بإرث الإقطاع والبيوتات السياسية. فبدل مواجهة الواقع، رسّخ المجتمع انغلاقه وخوفه، لا من الآخر أو من الطوائف الأخرى فحسب، بل من محاسبة ذاته. وقد تحوّل السلوك السياسي إلى ممارسة غير عقلانية تحكمها الأنانية وروح النكاية، إلى حد تبرير الإضرار بالمصلحة الذاتية بذريعة الحقد أو الولاء. وعليه، فإن الانتخابات، رغم التعويل المتكرر عليها، لا تعدو كونها إعادة إنتاج للواقع القائم بأشكال مختلفة داخل كل طائفة، ما يجعل من غير المنطقي الاستمرار في إلقاء اللوم على عوامل خارجية، بعدما بات واضحًا أن الأزمة هي، في جوهرها، أزمة مجتمع قبل أن تكون أزمة نظام.ففي الشارع الشيعي، يواصل الثنائي هيمنته شبه المطلقة من دون أي خرق يُذكر، تحت ذريعة حماية طائفة منكوبة ومحصّنة بالسلاح. أما لدى الدروز، فيبدو أن الحزب التقدمي الاشتراكي سيحصد ما هو له وما كان يُعوَّل عليه من حراكٍ اعتراضي، مع هامش محدود يُترك لبعض الوجوه المحسوبة على “مير” الطائفة. وعند السنّة، يبقى المشهد على حاله، حيث يملأ الموجود الفراغ الذي خلّفه غياب تيار المستقبل، في صورة عبثية تختصرها معادلة “على السكين يا بطيخ”. أما في الساحة المسيحية، فلا تغيير يُذكر: العوني الملتزم باقٍ على التزامه، والقواتي في حالة انتفاض دائمة، والكتائبي في موقع الامتعاض، فيما يُختزل ما يُسمّى بالرأي العام المستقل في جمهور مُدجَّن وبعض العونيين المستحيين الذين سيعودون ليكونوا عونيين داخل صندوق الاقتراع ناهيك عن ما سمو بالبيوتات السياسية الذين ينتظرون الانقضاض على ما تركته الاحزاب لهم . وبعد كل ما جرى وما سيجري، يبقى السؤال المشروع: أحقًا ما زال الحق على “التليان”؟ لقد أظهرت الانتخابات البلدية الأخيرة هذا الواقع الأليم بأوضح تجلياته، إذ كلما ضاقت الدائرة الانتخابية طفت الظواهر المرضية إلى السطح وجاءت النتائج هزيلة إلى أقصى الحدود. إن غياب الوعي الجماعي بطبيعة لبنان ودوره واستراتيجية بقائه يهدد بفقدان مبرر وجوده ذاته، وليس في ذلك أي تهويل. فالهاوية باتت أمامنا، ونسير نحوها بخطى ثابتة تحت شعارات واهية أفقدتنا كل ما نملك، مقترنة بأنانيات فردية وأمراض مجتمعية زادت الزيت على النار. ومن هنا، فإن الديمقراطية لا تصلح لمجتمع جاهل لا يفرض المحاسبة ولا يحكم، بل يُحكَم به، ولا يتعلّم ليطوّر ذاته بل يلقّن ما يجب فعله. إنه انحطاط بلغ مداه الأقصى، وقد يدفع بنا، في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، إلى السقوط في مجاهل التاريخ.
أنطوني رزق - جران
مقالات | ARTICLES
سليمان فرنجية.. بين ضغط الخارج واحتضان الداخل
القبيحة صاحبة القوس – الحلقة الثانية
من الرابح والخاسر بين الأحزاب المسيحية بعد التفاهم الأميركي – الإيراني؟
العائلة المشعوذة – الحلقة الثالثة عشرة: طباع الشاندالا





