تيار المردة في البترون: حضور تاريخي وانتخابي
يشكّل تيار المردة واحداً من التيارات السياسية اللبنانية التي ارتبط حضورها بتاريخٍ طويل من العمل السياسي والاجتماعي، وخصوصاً في مناطق الشمال. وعلى الرغم من أنّ معقله التقليدي في زغرتا، إلا أنّ حضوره في قضاء البترون لم يكن عابراً، بل اتخذ طابعاً متدرّجاً يجمع بين البعد التاريخي والامتداد الشعبي الذي يتبدّل وفق الظروف السياسية والتحالفات الانتخابية.
تاريخيا يرتبط اسم تيار المردة بعائلة فرنجية التي لعبت دوراً سياسياً بارزاً في لبنان منذ عقود. هذا الامتداد التاريخي انعكس بطبيعة الحال على المناطق المجاورة، ومنها البترون، حيث وُجدت علاقات اجتماعية وسياسية متشابكة بين العائلات والقرى. لم يكن الحضور دائماً في شكل تمثيل نيابي مباشر، بل ظهر أحياناً عبر تحالفات انتخابية أو دعم لوائح وشخصيات قريبة من خط التيار السياسي.
أما عن البعد الشعبي والاجتماعي في البترون، فيتجلّى حضور المردة أكثر في القاعدة الشعبية التي تتكوّن من مؤيدين تاريخيين أو من ناخبين يتقاطعون مع خطابه السياسي في قضايا معينة. وغالباً ما يرتبط هذا التأييد بعوامل عائلية أو مناطقية أو بمواقف سياسية عامة، كالموقف من الدولة ودور المؤسسات والعلاقة مع القوى الأخرى.
كما أنّ النشاطات الاجتماعية والخدماتية، وإن لم تكن بحجم مناطق النفوذ التقليدية للتيار، ساهمت في إبقاء اسمه حاضراً في الوعي المحلي.
إلى ذلك تلعب التحالفات الانتخابية دوراً حاسماً في تحديد قوة أي تيار سياسي في البترون، وهي منطقة معروفة بتنوّعها الحزبي واحتدام المنافسة فيها. لذلك فإن حضور المردة يتأثر بشكل مباشر باللوائح المشتركة وبطبيعة الشراكات مع قوى أخرى.
في بعض الدورات الانتخابية يظهر الحضور أكثر وضوحاً، وفي دورات أخرى يتراجع ليصبح رمزياً أو داعماً من الخلف.
في المرحلة الراهنة، يمكن وصف حضور تيار المردة في البترون بأنه حضور ثابت لكن غير مهيمن. فهو يمتلك قاعدة معروفة ووجوهاً مؤيدة، لكنه لا يشكّل القوة الأساسية مقارنةً بالأحزاب الكبرى الأخرى في القضاء. ومع ذلك، يبقى لاعباً سياسياً لا يمكن تجاهله، خصوصاً في الحسابات الانتخابية الدقيقة حيث قد تؤثر بضعة آلاف من الأصوات في رسم النتائج.
إدن فتيار المردة في البترون ليس ظاهرة طارئة ولا قوة كاسحة، بل هو حضور تاريخي متجذّر جزئياً، وشعبي متحوّل تبعاً للظروف. قوته تكمن في استمراريته وعلاقاته الممتدة، بينما يتحدد حجمه الفعلي وفق التحالفات واللحظة السياسية. وفي مشهد انتخابي لبناني يتّسم بالتبدّل الدائم، يبقى هذا الحضور جزءاً من التوازنات التي تصنع خصوصية البترون السياسية.
ربيع داغر
مقالات | ARTICLES
سليمان فرنجية.. بين ضغط الخارج واحتضان الداخل
القبيحة صاحبة القوس – الحلقة الثانية
من الرابح والخاسر بين الأحزاب المسيحية بعد التفاهم الأميركي – الإيراني؟
العائلة المشعوذة – الحلقة الثالثة عشرة: طباع الشاندالا





