تيار المردة في البترون: حضور تاريخي وانتخابي
يشكّل تيار المردة واحداً من التيارات السياسية اللبنانية التي ارتبط حضورها بتاريخٍ طويل من العمل السياسي والاجتماعي، وخصوصاً في مناطق الشمال. وعلى الرغم من أنّ معقله التقليدي في زغرتا، إلا أنّ حضوره في قضاء البترون لم يكن عابراً، بل اتخذ طابعاً متدرّجاً يجمع بين البعد التاريخي والامتداد الشعبي الذي يتبدّل وفق الظروف السياسية والتحالفات الانتخابية.
تاريخيا يرتبط اسم تيار المردة بعائلة فرنجية التي لعبت دوراً سياسياً بارزاً في لبنان منذ عقود. هذا الامتداد التاريخي انعكس بطبيعة الحال على المناطق المجاورة، ومنها البترون، حيث وُجدت علاقات اجتماعية وسياسية متشابكة بين العائلات والقرى. لم يكن الحضور دائماً في شكل تمثيل نيابي مباشر، بل ظهر أحياناً عبر تحالفات انتخابية أو دعم لوائح وشخصيات قريبة من خط التيار السياسي.
أما عن البعد الشعبي والاجتماعي في البترون، فيتجلّى حضور المردة أكثر في القاعدة الشعبية التي تتكوّن من مؤيدين تاريخيين أو من ناخبين يتقاطعون مع خطابه السياسي في قضايا معينة. وغالباً ما يرتبط هذا التأييد بعوامل عائلية أو مناطقية أو بمواقف سياسية عامة، كالموقف من الدولة ودور المؤسسات والعلاقة مع القوى الأخرى.
كما أنّ النشاطات الاجتماعية والخدماتية، وإن لم تكن بحجم مناطق النفوذ التقليدية للتيار، ساهمت في إبقاء اسمه حاضراً في الوعي المحلي.
إلى ذلك تلعب التحالفات الانتخابية دوراً حاسماً في تحديد قوة أي تيار سياسي في البترون، وهي منطقة معروفة بتنوّعها الحزبي واحتدام المنافسة فيها. لذلك فإن حضور المردة يتأثر بشكل مباشر باللوائح المشتركة وبطبيعة الشراكات مع قوى أخرى.
في بعض الدورات الانتخابية يظهر الحضور أكثر وضوحاً، وفي دورات أخرى يتراجع ليصبح رمزياً أو داعماً من الخلف.
في المرحلة الراهنة، يمكن وصف حضور تيار المردة في البترون بأنه حضور ثابت لكن غير مهيمن. فهو يمتلك قاعدة معروفة ووجوهاً مؤيدة، لكنه لا يشكّل القوة الأساسية مقارنةً بالأحزاب الكبرى الأخرى في القضاء. ومع ذلك، يبقى لاعباً سياسياً لا يمكن تجاهله، خصوصاً في الحسابات الانتخابية الدقيقة حيث قد تؤثر بضعة آلاف من الأصوات في رسم النتائج.
إدن فتيار المردة في البترون ليس ظاهرة طارئة ولا قوة كاسحة، بل هو حضور تاريخي متجذّر جزئياً، وشعبي متحوّل تبعاً للظروف. قوته تكمن في استمراريته وعلاقاته الممتدة، بينما يتحدد حجمه الفعلي وفق التحالفات واللحظة السياسية. وفي مشهد انتخابي لبناني يتّسم بالتبدّل الدائم، يبقى هذا الحضور جزءاً من التوازنات التي تصنع خصوصية البترون السياسية.
ربيع داغر
لطالما قُدِّم لبنان على أنه نموذج للحرية والديمقراطية في محيطه العربي، واعتُبرت هذه السمة مصدر تفوّق ثقافي وسياسي على سائر دول الشرق، غير أن هذه المزايا المزعومة كانت تتهاوى في كل استحقاق مصيري، مع إصرار دائم على تحميل المسؤولية للخارج أو التذرّع بالطائفية كسبب جاهز للفشل. إلا أن التمعّن في جوهر الأزمة يكشف أن الخلل الأساسي كامن في بنية المجتمع اللبناني نفسه، الذي لم يبلغ بعد نضجه السياسي، ولا يزال مثقلاً بإرث الإقطاع والبيوتات السياسية. فبدل مواجهة الواقع، رسّخ المجتمع انغلاقه وخوفه، لا من الآخر أو من الطوائف الأخرى فحسب، بل من محاسبة ذاته. وقد تحوّل السلوك السياسي إلى ممارسة غير عقلانية تحكمها الأنانية وروح النكاية، إلى حد تبرير الإضرار بالمصلحة الذاتية بذريعة الحقد أو الولاء. وعليه، فإن الانتخابات، رغم التعويل المتكرر عليها، لا تعدو كونها إعادة إنتاج للواقع القائم بأشكال مختلفة داخل كل طائفة، ما يجعل من غير المنطقي الاستمرار في إلقاء اللوم على عوامل خارجية، بعدما بات واضحًا أن الأزمة هي، في جوهرها، أزمة مجتمع قبل أن تكون أزمة نظام.ففي الشارع الشيعي، يواصل الثنائي هيمنته شبه المطلقة من دون أي خرق يُذكر، تحت ذريعة حماية طائفة منكوبة ومحصّنة بالسلاح. أما لدى الدروز، فيبدو أن الحزب التقدمي الاشتراكي سيحصد ما هو له وما كان يُعوَّل عليه من حراكٍ اعتراضي، مع هامش محدود يُترك لبعض الوجوه المحسوبة على “مير” الطائفة. وعند السنّة، يبقى المشهد على حاله، حيث يملأ الموجود الفراغ الذي خلّفه غياب تيار المستقبل، في صورة عبثية تختصرها معادلة “على السكين يا بطيخ”. أما في الساحة المسيحية، فلا تغيير يُذكر: العوني الملتزم باقٍ على التزامه، والقواتي في حالة انتفاض دائمة، والكتائبي في موقع الامتعاض، فيما يُختزل ما يُسمّى بالرأي العام المستقل في جمهور مُدجَّن وبعض العونيين المستحيين الذين سيعودون ليكونوا عونيين داخل صندوق الاقتراع ناهيك عن ما سمو بالبيوتات السياسية الذين ينتظرون الانقضاض على ما تركته الاحزاب لهم . وبعد كل ما جرى وما سيجري، يبقى السؤال المشروع: أحقًا ما زال الحق على “التليان”؟ لقد أظهرت الانتخابات البلدية الأخيرة هذا الواقع الأليم بأوضح تجلياته، إذ كلما ضاقت الدائرة الانتخابية طفت الظواهر المرضية إلى السطح وجاءت النتائج هزيلة إلى أقصى الحدود. إن غياب الوعي الجماعي بطبيعة لبنان ودوره واستراتيجية بقائه يهدد بفقدان مبرر وجوده ذاته، وليس في ذلك أي تهويل. فالهاوية باتت أمامنا، ونسير نحوها بخطى ثابتة تحت شعارات واهية أفقدتنا كل ما نملك، مقترنة بأنانيات فردية وأمراض مجتمعية زادت الزيت على النار. ومن هنا، فإن الديمقراطية لا تصلح لمجتمع جاهل لا يفرض المحاسبة ولا يحكم، بل يُحكَم به، ولا يتعلّم ليطوّر ذاته بل يلقّن ما يجب فعله. إنه انحطاط بلغ مداه الأقصى، وقد يدفع بنا، في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، إلى السقوط في مجاهل التاريخ. أنطوني رزق - جران
يشهد قضاء البترون، مع اقتراب أي استحقاق نيابي جديد، حالة من الترقّب السياسي تختلف في ملامحها عمّا كان سائداً في الدورات الانتخابية السابقة. فالسؤال المطروح بقوة في الأوساط الشعبية والحزبية على السواء لم يعد يقتصر على من سيفوز من الوجوه التقليدية، بل بات يتمحور حول احتمال خرق المشهد السياسي بوجوه جديدة قادرة على تعديل موازين القوى، ولو جزئياً. على مدى سنوات، ارتبطت نتائج الانتخابات في البترون بأسماء راسخة تنتمي إلى أحزاب كبرى أو عائلات سياسية معروفة، ما جعل المعركة في كثير من الأحيان محصورة بين أقطاب محددين. غير أنّ التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي مرّ بها لبنان في السنوات الأخيرة، إضافة إلى تراجع الثقة الشعبية بالطبقة السياسية التقليدية، فتح الباب أمام مزاج انتخابي مختلف، أكثر ميلاً إلى التجربة والتغيير. العامل الأبرز الذي قد يساهم في تبدّل النتائج يتمثّل في شريحة الناخبين الشباب، وهي فئة باتت أكثر حضوراً وتأثيراً من أي وقت مضى. هذه الفئة لا ترتبط غالباً بولاءات تاريخية، بل تميل إلى تقييم المرشحين وفق البرامج والرؤى المستقبلية، خصوصاً في ما يتعلّق بالاقتصاد وفرص العمل والخدمات المحلية. ومع اتساع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح للمرشحين الجدد منصّات مباشرة للتواصل مع الناخبين، بعيداً عن القنوات الحزبية التقليدية. إلى جانب ذلك، تلعب التحالفات الانتخابية دوراً محورياً في رسم صورة النتائج. ففي البترون، كما في سائر الدوائر اللبنانية، قد يؤدي تبدّل التحالفات أو تفككها إلى إحداث خروقات غير متوقعة. فالمرشح الذي كان في موقع ضعيف في دورة سابقة، قد يجد نفسه مدعوماً بكتلة انتخابية وازنة في دورة لاحقة، ما يمنحه فرصة جدية للدخول إلى الندوة البرلمانية. ولا يمكن إغفال العامل الاقتصادي الضاغط، إذ إن الأزمات المعيشية تدفع شريحة من الناخبين إلى البحث عن خطاب جديد أو شخصيات تحمل طابعاً إصلاحياً أو اختصاصياً، كالأطباء ورجال الأعمال وأصحاب الخبرات الإدارية. هذا التوجّه قد يخلق مساحة حقيقية أمام “الوجوه الجديدة”، شرط أن تتمكن من بناء ثقة محلية وأن تقدّم خطاباً واقعياً لا يكتفي بالشعارات. مع ذلك، يبقى نفوذ الأحزاب التقليدية عاملاً ثابتاً لا يمكن تجاهله، نظراً لامتلاكها قواعد تنظيمية راسخة وماكينات انتخابية فعّالة. وبالتالي فإن احتمال فوز وجوه جديدة لا يعني بالضرورة انقلاباً كاملاً في النتائج، بل قد يظهر على شكل خروقات محدودة لكنها ذات دلالة سياسية، تعكس تحوّلاً تدريجياً في المزاج العام أكثر مما تعكس تغييراً جذرياً وفورياً. في المحصلة، يمكن القول إن البترون تقف أمام احتمال واقعي لتبدّل جزئي في نتائجها الانتخابية، مدفوعاً بتغيّر الأولويات الشعبية وظهور شخصيات جديدة تسعى لاقتحام المشهد. غير أن حجم هذا التبدّل سيبقى مرهوناً بقدرة هذه الوجوه على تحويل الرغبة بالتغيير إلى أصوات فعلية في صناديق الاقتراع، وبمدى تمكّنها من منافسة البنية الحزبية التقليدية على أرضها. ربيع داغر

رحل القريب والصديق جوزف مسعد يونس؛ الرجل المتجرد من صغائر العيش والمترفع عن سخافات الحياة. هو الأب الذي ربّى - مع زوجته الفاضلة زكية - عائلة متكاملة الصفات والميزات من علم وأخلاق ولياقة اجتماعية. وهو الرجل الفريد في تطلعاته السامية إن كان في أفكاره الاستثنائية العميقة أم في علاقاته المميزة الرفيعة المستوى أو في مفهومه الواضح للإنسان والمجتمع والعلاقات. جوزف يونس: سأشتاق إلى جلسات الحوار الجميلة معك نجوب فيها آفاق العيش وأسرار الكون والوجود وألغاز الموت. ربيع داغر

يا ليلة لبلاء في شهر كانون الثاني الأصم، أما لعتمتك انقضاء أما أن لجيشنا اللبناني الوطني بامتياز أن يبصر النور بعد سنوات من الحرمان والعوز وضيق سبل العيش والفقر في التجهيز والتسليح والعتاد والعديد... أخيرا علمنا بواسطة وسائل الأنباء والتواصل أنه بدأ التحضير لاجتماع كبير لدعم هذا الجيش اللبناني الذي نتوق لأن نراه قوياً منيعاً عصيا على الزمن والمحن. هذا المؤتمر المزمع عقده في الخامس من آذار، وعلى حد قول العميد المتقاعد والخبير العسكري سعيد القزح، أموال وعتاد وتجهيز وسلاح حربي يساعد في القتال ضد أي معتد إن كان من الداخل أو عدو غاشم من الخارج. وقديما كان يقال: نفضل الذل "السوري" على الاسرائيلي وهذا ما يجب أن يكون لبنان قد تفلت وتحرر من هذه البدعة أو المهزلة، إذ أننا لا نريد لا هذا -سيما وأن النظام الأسدي البائد قد اندحر الى غير رجعة ... أما الذل الإسرائيلي فهو لا يزال قائما جاسماً على صدور العباد والبلاد وهذا الخطر الجاسم ليس لعتمته انقضاء إلا بدعم واضح غير مشروط، ولكن يا للأسف فإنه ممنوع على هذا المؤتمر المخصص لدعم الجيش في 5 آذار أيضا وأيضا، لأنه وباعتقادي وهذا لا يناقض خطوة المؤتمر بتقوية الجيش وكما أرجو أن أكون مخطئا بذلك الموضوع، ويتم دعم الجيش مادياً وتجهيزاً بالعتاد والعديد وتزويدا له بالسلاح الفتاك الحربي الذي يعيد للبنان توازن الرعب وأرجو للناقورة وميكانيزمها تثبيت وقف اطلاق النار وفق ال ۱۷۰۱ الذي إذا استكمل تطبيقه إلى ما بعد نهر الليطاني شمالا وغربا وشرقا، عسى يكون لوطننا لبنان الأمل بعودة ازدهاره على كل الصعد عله يعود "سويسرا الشرق" ولو بنسبة جد متواضعة، وقانا الله شر المحن والفتن في هذا الزمن المتحول بسرعة قياسية من فنزولا واليمن إلى العراق وروسيا والصين مرورا بكل الدول والأوطان المتخبطة تحت ضغط ترامب صاحب الشخصية البعيدة كلياً عن السياسة والأقرب إلى شخص يعمل في الأعمال ولا يهدف من خلال استهداف غزة وجنوب لبنان داعماً لنتنياهو وخلفه اسرائیل سوى لتكديس الدولارات.... إنني لا زلت أشك بهذا الدعم للجيش في ظل الزعم المشؤوم الذي أشار إليه مؤتمر الدعم و لا زلت أعتقد أن الدعم هذا أقله سيبقى محدود السقف ... والسلام. العميد الركن توفيق يزبك

الدكتور نبيل إميل حكيّم: تاريخ من النضال السياسي والخدمة الحزبية والاجتماعية في أجواء انتخابية شديدة الحساسية داخل قضاء البترون وفي دائرة الشمال الثالثة، يبرز اسم الدكتور نبيل إميل حكيّم كأحد أبرز المرشحين للمقعد النيابي عن هذا القضاء في الانتخابات النيابية المقبلة، بصفته ممثلاً عن حزب الكتائب اللبنانية، وسط تنافس محموم بين القوى السياسية المتعددة داخل المجتمع البتروني. ولد الدكتور نبيل حكيّم في مدينة البترون عام 1950، في عائلة معروفة بالتزامها الاجتماعي والوطني، وهو اختصاصي في جراحة التجميل والترميم وجراحة الفك والوجه، وأستاذ محاضر في كلية الطب وكلية طب الأسنان في جامعة القدّيس يوسف ببيروت. انخرط حكيّم في العمل السياسي منذ أواخر الستينيات، عندما انضم إلى حزب الكتائب اللبنانية في عام 1969، وشغل مناصب حزبية متعددة بدءاً من رئاسة خلية الكتائب في كلية الطب، ورئاسة قسم البترون، إلى عضوية إقليم الحزب، وصولاً إلى تعيينه نائباً ثالثاً لرئيس حزب الكتائب وفق ما أقرّ المكتب السياسي للحزب في منتصف عام 2025، في إشارة إلى ثقة قيادته بخبرته ومسيرته الطويلة داخل الحزب. إلى جانب نشاطه المهني والسياسي، عرف حكيّم بشخصية فاعلة في المجتمع المدني، إذ هو رئيس وأحد مؤسسي جمعية “Arc en Ciel” التي تعمل على دعم المعوقين وذوي الاحتياجات الخاصة في لبنان، كما تولّى مناصب قيادية في جمعية الكشافة اللبنانية، مما ساهم في بنائه لشبكة علاقات واسعة داخل المجتمع المدني في البترون وخارجها. مؤخرا أعلنت قيادة حزب الكتائب اللبنانية أن الدكتور نبيل حكيّم سيكون مرشّح الحزب عن مقعد البترون النيابي في انتخابات مجلس النواب المرتقبة، من منطلق سياسي يعكس رهان الحزب على مسيرة طويلة في العمل المحلي والحزبي، وعلى شخصية يُنظر إليها كجسر بين العمل المدني والسياسي، خصوصاً في مجتمع يتغيّر سريعاً بعد سنوات من الأزمة السياسية والاقتصادية. ترشّح حكيّم يأتي في سياق السباق الانتخابي المعقد داخل دائرة البترون، حيث تتنافس فيها قوى متعددة بينها أحزاب كبيرة مثل التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية،، إلى جانب مرشحين مستقلين وشخصيات محلية، ما يجعل المعركة حامية وأكثر تعددية من الانتخابات السابقة. ومن الجدير ذكره أنه ليس هذا الترشيح الأول للدكتور نبيل حكيّم بساحة الانتخابات في البترون: فلقد ترشح المرة الأولى عام 2000 ومن ثم عام 2005 كما أنه في عام 2009 حصل على عدد أصوات مفاجئ في ظل منافسة شرسة بين قطبي 14 و8 آذار حينها. لكن الوضع اليوم مختلف، إذ أن اتساع الهوة في قوى التغيير وتشتت الأصوات بين لوائح متعددة يمكن أن يجعل حصة الأصوات التفضيلية من نصيب مرشّحين من خلفيات موثوقة على الصعيد الشخصي والحضور في المجتمع المدني أو الفعالية الحزبية. ومن هنا فحضور حكيّم الفاعل في المجتمع المدني والحزبي قد يمنحه قاعدة دعم ضمن قطاعات معينة خصوصاً الناخبين الذين يبحثون عن تمثيل يعكس حياة أفضل للمدينة والمنطقة، وليس مصالح الزعامات التقليدية. وبالنسبة للمنافسة الحزبية: ففي ظل تشكيل قوائم مشتركة وقيام تحالفات بين القوى الكبرى في البترون، فإن مقعد البترون يبقى هدفاً لمنافسة شديدة والاحتمالات متعددة. لكن العديد من المؤشرات السابقة تُظهر أن المنافسة يمكن أن تكون “أقوى بين الكبار”، مع وجود لوائح تتضمن شخصيات لها حضور محلي قد تغير نسب التصويت التفضيلي لصالح مرشحين (مثل الدكتور نبيل حكيّم). لكن بالواقع أن احتمال الفوز بمقعد نيابي في دائرة مثل البترون يتطلب تحقيق توازن بين الأصوات الحزبية والتفضيلية عبر لوائح انتخابية متماسكة في كامل الدائرة الثالثة. وفي هذا السياق فإن ترشّح حكيّم يعكس رغبة حزب الكتائب في جمع حاصل انتخابي في الدائرة، لكن نجاحه يعتمد بشكل كبير على قوة اللائحة التي يشكّل جزءاً منها ومدى قدرة الحزب على جذب شرائح جديدة من الناخبين بعيداً عن التصويت التقليدي. بالخلاصة فإن الدكتور نبيل إميل حكيّم هو شخصية اختلط فيها العمل المهني مع العمل الحزبي والمجتمعي بنجاح ومصداقية، وترشّحه النيابي في البترون يعكس طموح حزب الكتائب لإعادة رسم خارطة تمثيله في البرلمان اللبناني. بينما يبقى التنافس كبيراً مع القوى السياسية التقليدية ومرشحيها الأقوى حضوراً. ومن المتوقع أن تلعب الأصوات التفضيلية دوراً حاسماً في تحديد النتيجة النهائية، لا سيّما وأن ميول الناخبين في البترون تتجه أحياناً إلى دعم شخصيات تُقدم نفسها كحل وسط بين التقليدي والتغييري. ربيع داغر
مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية لعام 2026، يبرز قضاء البترون كأحد أبرز ساحات التنافس السياسي في الشمال اللبناني، نظراً لرمزيته المارونية والسياسية، وكونه يشكّل معقلاً تاريخياً للزعامة المسيحية، ضمن دائرة الشمال الثالثة. تشير المعطيات الانتخابية إلى أنّ المعركة في البترون قد تكون شبه محسومة بين خصمين مسيحيين أساسيين: التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية. فالحزبان يمتلكان، وفق الحسابات الانتخابية، حاصلاً مضموناً لكل منهما، ما يجعل المنافسة الفعلية تدور حول حجم الأصوات ونسب الاقتراع، لا حول هويّة الفائزين. ويُعدّ القضاء معقلاً أساسياً لرئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل، الذي راكم حضوراً سياسياً وشعبياً في المنطقة، مستفيداً من موقعه النيابي والوزاري السابق. وقد شهدت مدينة البترون خلال السنوات الماضية نهضة سياحية لافتة، جعلتها من أبرز الوجهات السياحية في لبنان، وهو ما يضعه التيار في صلب خطابه الانتخابي. على رغم محاولات بعض خصوم التيار الوطني الحر الترويج لفكرة تراجع شعبيته في البترون، والتلميح إلى احتمال انتقال باسيل أو مرشحيه إلى أقضية أخرى ذات غالبية عونية، إلا أنّ التجربة الانتخابية السابقة عام 2022 لا تزال حاضرة بقوة. ففي تلك الانتخابات، خرج باسيل فائزاً من معركة وُصفت آنذاك بـ"الكونية"، وسط حملات سياسية وإعلامية غير مسبوقة، وانخفاض في نسبة الاقتراع العوني. ومع ذلك، منحه ناخبو البترون ثقتهم، ما ثبّت موقعه التمثيلي في القضاء. وتشير التقديرات الحالية إلى أنّ التيار الوطني الحر، أو من يرشحه في البترون، قد يحصد نسبة تصويت أعلى في 2026، لا سيما بعد خروجه من السلطة، وإقصائه عن الحكومة، وما رافق ذلك من تحميل السلطة الحالية مسؤولية التعثر في عدد من الملفات التي كان التيار يُتهم بعرقلتها. في المقابل، تمتلك القوات اللبنانية حضوراً ثابتاً في قضاء البترون، متقدمةً على قوى سياسية أخرى كحزب الكتائب، تيار المردة، الحزب القومي السوري الاجتماعي، إضافة إلى الشخصيات المستقلة. وتسعى القوات إلى تثبيت حاصلها الانتخابي، مع محاولة تحقيق تفوق عددي على التيار، في إطار الصراع على الزعامة المسيحية في القضاء. وبالتوازي مع التحضيرات النيابية، بدأت الاستعدادات للانتخابات البلدية والاختيارية في قضاء البترون تأخذ طابعاً أكثر وضوحاً. وفي هذا السياق، أُعلن عن أول تحالف انتخابي رسمي في محافظة الشمال. فقد أعلن المحامي مجد حرب، نجل النائب السابق بطرس حرب، عن تحالفه مع حزبي القوات اللبنانية والكتائب اللبنانية في الانتخابات البلدية والاختيارية في أكثرية قرى القضاء. وأكد حرب، في بيان نشره عبر منصة "إكس"، أنّ هذا التحالف جاء بعد سلسلة لقاءات وجهود مشتركة، بهدف "اختيار الأفضل لتمثيل الأهالي"، معبّراً عن ثقته بوعي أبناء المنطقة وقدرتهم على اتخاذ القرار المناسب. في المقابل، تشير معلومات متداولة إلى أنّ تيار المردة حسم خيار ترشيح الأستاذ جوزيف نجم، في إطار محاولته الحفاظ على حضور سياسي لا يُستهان به في القضاء، وإن كان بعيداً عن القدرة على خرق المعادلة الثنائية السائدة. في المحصلة، تبدو نتائج قضاء البترون في انتخابات 2026 شبه محسومة، فيما يبقى التحدي الأساسي مرتبطاً بحجم الأصوات، ونسب الاقتراع، والرسائل السياسية التي ستحملها الصناديق، في قضاء لطالما شكّل مرآة للتوازنات المسيحية في لبنان.

منذ انفصالها عن تنورين وبلدية شاتين تعبر من أزمة إلى أخرى. فقد كان إنشاؤها سببا للاختلاف بين أبناء البلدة الواحدة ناهيك عن الانفصال غير الطبيعي عن المحيط أي تنورين الكبرى بالرغم من أن الانفصال غير حقيقي وإنما مصطنع. إن شاتين جزء لا يتجزأ من تنورين بجغرافيتها وشعبها ووحدة تاريخها وأصل الأرومات العائلية. كان للسياسة الدور الحاسم في إنشاء بلدية شاتين على اعتبار أن شاتين ستصبح مستقلة عن القرار السياسي الغالب في تنورين؛ وكان أبطال تلك اللعبة العونيون (آنذاك)؛ وبالفعل فقد دشن النائب جبران باسيل التهاني بفوز أول مجلس بلدي في شاتين. وفي الانتخابات الأخيرة لعب نفس الأفرقاء تقريبا الدور الاستقلالي عن تنورين؛ فقد تعاون العوني والقواتي من أجل نجاح المجلس البلدي الحالي الذي غلبت عليه الصيغة القوانية ولقي احتفاء من قيادة القوات في حفل التهاني. وبعيدا عن الحراك الحزبي والمسيس؛ لم تتقدم شاتين كما كان متوقعا لها منذ انفصالها ولكنها بقيت في حرمان إنمائي رغم بعض الإنجازات التي سجلها المجلس البلدي برئاسة سركيس روكز. اليوم - ولمجمل الأسباب والموجبات - يطرح الرأي العام عودة شاتين إلى حضن الأم تنورين. خلفية تاريخية 1. التقسيم الأصلي والبلدية الموحدة منذ عام 1928: كانت شاتين جزءًا من بلدية تنورين (تنورين الفوقا وتنّورين التحتا ووُطى حوب وشاتين). 2. المطالبة بانفصال شاتين في عام 2011، تقدّم بعض أهالي شاتين بطلب إنشاء بلدية مستقلة. وفي عام 2012، أصدر وزير الداخلية آنذاك مروان شربل قرارًا بإنشاء بلدية شاتين (قرار 282/2012). كان من دوافع البعض من أهالي شاتين المطالبة بالاستقلال الإداري نظراً لما يصفونه بـ "الحرمان الإنمائي" من الخدمات البلدية. 3. الطعن القانوني بلدية تنورين وأفراد من شاتين طعنوا بقرار الوزير أمام مجلس شورى الدولة. في 12 كانون الأول 2017، أصدر مجلس شورى الدولة القرار رقم 241/2017-2018 بإلغاء القرار الذي أنشأ بلدية شاتين. الأسباب القانونية تضمنت أن إنشاء بلدية شاتين لم يَخض ببعض الإجراءات مثل “الموافقة على تغيير الحدود” من قبل المجلس البلدي. 4. قرار إعادة الدمج بعد الطعن: تم تعديل المرسوم البلدي لتعود شاتين لتكون جزءًا من بلدية تنورين. في أيلول 2019، أصدرت وزارة الداخلية والبلديات القرار رقم 1722 (إبطل إنشاء بلدية شاتين في الصيغة السابقة) والقرار رقم 1723 لإعادة إنشاء شكل بلدي في إطار الترتيب الجديد. ومن ثم تم تحديد عدد أعضاء المجلس البلدي لشاتين بـ 12 عضواً. الأسباب وراء إعادة الدمج يبدو أن هناك عدة دوافع وراء قرار إعادة شاتين إلى بلدية تنورين، بعضها قانوني وبعضها سياسي وتحالفات؛ كما يلي: 1. صراع سياسي – محلي أحد الأطراف يرى أن للقرار خلفية سياسية قوية، وبخاصة النزاع بين النائب السابق بطرس حرب من جهة وبعض الشخصيات المقربة من “التيار الوطني الحر / باسيل”. في تلك المرحلة، كان للنزاع على السد (سد بلعا) دور سياسي-إنمائي مهم، فالبعض ربط بين إنشاء بلدية شاتين وسد بلعا، كجزء من استراتيجيات نفوذ. كما أن هناك “تصفية حسابات” بين بعض الشخصيات. 2. الحرمان الإنمائي بعض أهالي شاتين أرادوا بلدية مستقلة لتحسين الخدمات (طرقات، إنارة، جمع نفايات) لأنهم شعروا بأنهم مهمّشون من بلدية تنورين. من جهة أخرى، رفض بعض من أهالي تنورين تقسيم البلدية لأنهم رأوا أن تقسيم البلديات الصغيرة قد لا يسهم في تنمية حقيقية، وأن توحيدها أقوى من الناحية المالية والإدارية. 3. الشرعية القانونية والإجرائية الطعن القانوني أكّد أن بعض إجراءات إنشاء بلدية شاتين لم تُنفذ كما يجب (مثلاً عدم موافقة مجلس بلدية تنورين على بعض التعديلات في الحدود). وعندما أبطل مجلس شورى الدولة القرار، تمت إعادة ضبط مرسوم بلدية تنورين ليشمل شاتين، ما يعني أنه كانت هناك رغبة رسمية من الدولة لعودة الوحدة الإدارية في هذا النطاق. 4. الدوافع العائلية والطبيعة الحال؛ هناك تداخل بين السياسة والعائلات المحلية: من شاتين تبرز عائلات مثل مراد وشاعر، غوش، يونس، وغيرها، وهذا يضفي بعدا “عُرفي / عائلي” على المعركة البلدية والاختيارية في كل استحقاق. يذكر أيضا أنه كانت هناك سقطات قانونية: فالبعض رأى أن إنشاء بلدية شاتين في البداية لم يكن وفق جميع الشروط القانونية (مثل مشاركة بلدية تنورين، تغيير الحدود). مخاطر مالية: تقسيم البلديات قد يؤدي إلى ضعف الموارد البلدية، لأن البلديات الصغيرة قد تعاني من ضعف الإيرادات مقارنة بالتكاليف الإدارية. استغلال سياسي: وفق البعض، كانت خطوة إنشاء بلدية شاتين مدفوعة من قبل قوى سياسية (مثل التيار الوطني الحر) لتعزيز نفوذها في الجرد، وليس فقط لأسباب إنمائية. تكرار الصراع: حتى بعد الإلغاء وإعادة الدمج، لا يبدو أن الجذور الاجتماعية والسياسية للنزاع اختفت، فالمعركة على النفوذ داخل شاتين كانت ما تزال قائمة في الانتخابات واللوائح البلدية. إن إعادة شاتين إلى بلدية تنورين لم تكن مجرد مسألة إدارية بسيطة، بل جاءت بعد صراع قانوني وسياسي طويل. وبالمجمل كان هناك تداخل واضح بين أسباب إنمائية (خدمات وتنمية) وأسباب سياسية – عائلية (صراعات النفوذ والتحالفات). والقرار لم يكن محايدًا بالكامل: فبعض الأطراف اعتبرته “تصفية حسابات”، في حين رأى فيه آخرون استعادة لوحدة تاريخية وإدارية. هذا المطلب للوحدة يرجع للواجهة اليوم بعد أن أعيد تشريع إنشاء بلدية مستقلة في شاتين وانتخب مجلس بلدي جديد من 9 أعضاء في أيار 2025؛ وقد إنقطع الأمل بأي تغيير قد يقوم به مجلس بلدي في شاتين. ربيع داغر

إن منطقة البترون هي من أغنى المناطق من حيث المواقع الدينية المسيحية، إذ تضمّ عدداً كبيراً من الأديرة والكنائس التي تحمل إرثاً تاريخياً وروحياً عميقاً. ومع إعلان الفاتيكان عن زيارة للبابا لاون الرابع عشر إلى لبنان في أوائل كانون الأول 2025، تبرز في البترون مجموعة من الأماكن التي كان من الممكن أن تشكّل محطات رئيسية في جولته نظراً لما تمثّله من رموز إيمانية وتاريخية. هذه المواقع هي: - دير القديسين كبريان ويوستينا – كفّيفان: يُعتبر دير كفّيفان من أبرز المعالم الدينية في لبنان. يقع هذا الدير في قلب قضاء البترون، ويضمّ رفات القديس نعمة الله الحرديني، أحد أهمّ قديسي الكنيسة المارونية، كما كان فيه الراهب القديس شربل مخلوف قبل انتقاله إلى عنّايا. ويضم الدير أيضا رفات الطوبلوي إسطفان نعمة. يشكّل الدير مقصداً دائماً للحجاج والمؤمنين الذين يقصدونه للصلاة والتبرّك، ويُعرف بجمال موقعه وهدوئه الروحي. زيارة البابا إلى كفّيفان ستكون ذات رمزية كبيرة، فهي محطة تجمع بين الإيمان الماروني العريق والتاريخ الرهباني الذي ساهم في نشر الروحانية اللبنانية في العالم الكاثوليكي. - دير مار سمعان العمودي – بلدة حردين: تُعرف حردين باسم "قرية الإيمان" لما تحتويه من عدد كبير من الأديرة والكنائس القديمة. من أبرز معالمها دير مار سمعان العمودي، وهو أحد أقدم الأديرة في لبنان ويُعدّ شاهداً على الحقبة البيزنطية المسيحية. تمتاز حردين بطابعها الجبلي الهادئ وبعراقتها الدينية، وتُعتبر مثالاً على القرى اللبنانية التي حافظت على تراثها الروحي رغم مرور الزمن. قد تشكّل زيارة البابا لحردين رسالة دعم للمجتمعات المسيحية الريفية التي لا تزال متمسّكة بجذورها وإيمانها وسط التحوّلات الاجتماعية والاقتصادية. - دير مار يوسف ورفقا – جربتا: في بلدة جربتا البترونية يقع دير مار يوسف ورفقا، وهو من أهم المزارات المريمية والرهبانية في لبنان. يحتضن ضريح القديسة رفقا، إحدى أشهر القديسات اللبنانيات التي كرّست حياتها للألم والصلاة! إذ تُعدّ القديسة رفقا رمزاً للصبر والإيمان العميق، ويقصد ديرها المؤمنون من لبنان والخارج للتبرّك وطلب الشفاعة. زيارة البابا إلى جربتا ستكون ذات طابع مؤثر، إذ تعبّر عن تقدير الكنيسة الكاثوليكية العالمية للقداسة اللبنانية ولرمزيات التضحية والصبر التي تجسّدها القديسة رفقا في حياة المؤمنين. - دير سيدة النورية – حمّات: يقع دير سيدة النورية على تلة مشرفة على البحر في منطقة حامّات بين البترون والشكا. وهو من أشهر المزارات المريمية في لبنان، إذ يقصده الزوّار من مختلف الطوائف للتبرّك بالعذراء مريم. يمتاز بموقعه الخلّاب المطلّ على الساحل اللبناني، ويُروى أن النور الإلهي الذي كان يظهر منه في الماضي كان يهدي البحارة التائهين في البحر، ومن هنا جاء اسم "النورية". زيارة بابوية إلى هذا الموقع ستكون رمزية للغاية، إذ قد تجمع بين تكريم مريم العذراء وبين رسالة السلام والوحدة التي يحملها البابا إلى لبنان وطوائفه المتعددة.

بقلم ربيع داغر المراقب للسياسة العامّة في البلاد وللمزاجات الشعبيّة المختلفة في لبنان والتي تنقسم عادةً إلى مزاجٍ مارونيٍّ أو شيعيٍّ أو سنيٍّ أو درزي؛ مع ما يتعايش مع هذه النزعة الطائفيّة من توجّهاتٍ حزبيّة، يجد أنّ التيّار الوطنيّ الحرّ (والذي يمثّل شريحةً واسعةً من المسيحيّين اللبنانيّين) قد استعاد بعضاً من زخمه الذي كان قد فقده إبّان انتهاء ولاية الرئيس السابق ميشال عون. وقد ظهر (هذا التراجع) في المناسبات العامّة وبخاصّةٍ الانتخابيّة البلديّة والاختياريّة والطلابيّة والنقابيّة، وفي الانسحابات العديدة لنوّابٍ بارزين من تكتّل التيّار. وبغضّ النظر عن أسباب التراجع المتلاحق في تأييد التيّار، فإنّ هذا واقع لا جدال فيه. أمّا الأشهر القليلة الماضية أي بعد انطلاق العهد الجديد والحكومة الجديدة، فإنّنا نلحظ رجوعاً لقواعد تركت التيّار، كما أنّ أصواتاً بدأت تعلو من هنا وهناك تفيد بأنّ المسؤوليّة التي حُمّلَها التيّار لم تكن منصفةً بعد أن تبيّن أنّ أفرقاء آخرين يتحمّلون مسؤوليّة تدهور المؤسّسات ولا زالوا في السلطة، كما أنّ أكثر الأفرقاء انتقاداً للتيّار على أساس أنّه لم يقم بإنجازاتٍ حياتيّةٍ كالكهرباء، هذا الفريق نفسه لم يحقّق شيئاً رغم تولّيه اليوم وزاراتٍ خدماتيّة. وهذا الواقع الجديد يبرز في منطقة البترون أكثر من غيرها، لعوامل عديدةٍ كالتالي: - متابعة نهضة مدينة البترون الاقتصاديّة. - معالم الإنماء المختلفة في القضاء ككلّ، والتي كان وراءها التيّار ممثّلاً باتّحاد بلديّات البترون السابق وبالنائب جبران باسيل. - استمرار نهج القوّات في قضاء البترون منذ نائبها الأوّل وحتّى الثالث، وهو نهج عدم التعاطي في الإنماء واقتصار النشاط النيابي على المؤتمرات الصحافيّة والتعاطي بالقضايا السياسيّة العامّة. - بقاء النهج الآخر المخاصم للتيّار والمتمثّل بالنائب السابق بطرس حرب (ونجله المرشّح مجد حرب) مقتصراً على الخطاب الكلامي غير العملاني نفسه؛ وهو ما ابتعد عنه الكثير من أبناء تنورين والبترون. - اختفاء خطاب "الثورة" وممثّليها بعد الانتخابات النيابيّة الأخيرة، ما جعل الرأي العامّ البتروني يفقد الثقة بهم. لكلّ هذه العوامل وغيرها، يستعيد التيّار حيويّته ويفتتح آفاقاً جديدةً في البلدات وبين الناس؛ تمهيداً لخوض معركةٍ انتخابيّةٍ نيابيّةٍ يرجو أن تكون ناجحةً في عام 2026. لكنّ نقاط الضعف لا تزال كثيرة، مشكّلةً عوائق أمام فوز مرشّح التيّار، ومنها: - عدم وضوحٍ في مواقف القوى التي من المفترض أن تكون حليفاً طبيعيّاً للتيّار مثل تيّار المرده والأحزاب اليساريّة. - الخيار غير الحاسم للطائفة السنيّة في قضاء البترون، والتي تعدّ ناخباً كبيراً ومؤثّراً على نتيجة الانتخابات النيابيّة. - تعدّد خصوم التيّار، والتقارب النسبي فيما بينهم، وهم: القوّات ومجد حرب والكتائب. - حرمان التيّار من عهدٍ يقف إلى جانبهم، على عكس ما كان سائداً في العهد السابق. لكنّ المزاج الشعبي في البترون - مدينةً وقضاءً - يمكن أن يحسم الخيار مع التيّار الوطنيّ الحرّ، علماً بأنّ الانتخابات يحسمها الصوت الصامت غير المتحزّب والذي لديه غريزة مناطقيّة تنبع من ذاكرةٍ جيّدةٍ وتتّجه نحو من يخدم المنطقة ويهتمّ بالإنماء أكثر من الشعارات.

الكنائس والأديرة الأثرية بين ساحل البترون وجرد تنورين تُعَدّ منطقة البترون وجوارها من أغنى مناطق لبنان بالكنائس والأديرة الأثرية التي تمتدّ جذورها من الحقبة البيزنطية مروراً بالعصور الصليبية وصولاً إلى عصر النهضة المارونية. ففي كل بلدة ووادٍ من هذه الرقعة الساحلية – الجبلية، تنبض الذاكرة المسيحية بحجارة مقدّسة لا تزال شاهدة على تواصل الإيمان والعمران عبر القرون. تضم مدينة البترون القديمة عدداً من الكنائس التي تُعدّ من أبرز معالمها التاريخية. في منطقة كبا الساحلية المجاورة لمدينة البترون، كنيسة بيزنطية قديمة وكنيسة أخرى تعود إلى الزمن الصلبي هي كنيسة saint Sauveur. كذلك في منطقة سلعاتا البترونية، هناك كنيسة تعود إلى الحقبة الصليبية. في مدينة البترون، مار جرجس وكنيسة مار اسطفان اللتان شُيدتا قبل نحو قرنٍ ونصف، لكنّهما تُصنّفان أثريتين نظراً إلى طرازهما المعماري التقليدي وموقعهما في قلب المدينة التاريخية التي تعود جذورها إلى العصر البيزنطي والصليبي. وفي محيط البترون القريب، توجد كنائس بيزنطية قديمة ما تزال بقاياها ظاهرة قرب السور الفينيقي، ما يدلّ على استمرارية الحياة الدينية في هذا الميناء منذ فجر المسيحية. على الطريق صعوداً، تظهر مجموعة من الكنائس القديمة، منها كنيسة السيدة وكنيسة مار نهرا القريبتان من قلعة سمار جبيل، حيث تولي المديرية العامة للآثار اهتماماً خاصّاً بهما بسبب قيمتهما المعمارية والفنية. وفي منطقة إده البترونية، تنتشر كنائس مزدانة بالجداريات، بعضها لا يزال محتفظاً بزخارفه الأصلية التي تعكس أساليب الرسم البيزنطي – الصليبي في لبنان. في الجهة المقابلة، ينتصب دير مار يوحنا مارون في كفرحي، الذي يُعتبر أحد أبرز معالم التراث الماروني، إذ يضم ما تبقّى من رفات القديس مارون، وقد شكّل عبر التاريخ نواة الكنيسة المارونية كمؤسسة كنسية وطنية. هذا الدير هو منطلق التنظيم الماروني في جبل لبنان، وتاريخه متداخل مع نشأة البطريركية الأولى في المنطقة. إلى الشرق من البترون، تحتضن بلدة حردين سلسلة واسعة من الكنائس والأديرة الأثرية، من أبرزها محبسة مار اسطفان والدير المجاور لها. كانت حردين في الماضي مركزاً أسقفياً للسريان الأرثوذكس، وتشهد على ذلك المذابح المزدوجة في بعض كنائسها التي تُبرز تعايش الطقسين السرياني والماروني. ويُحصى في حردين اليوم ما يقارب ستةً وثلاثين موقعاً كنسياً قديماً، ما يجعلها واحدة من أغنى القرى اللبنانية بالمواقع الدينية الأثرية. في أعالي الجرد، تُعدّ تنورين من أهم المناطق الغنية بالتراث الكنسي في لبنان، حيث تُحصى فيها سبعٌ وخمسون كنيسة وديراً أثرياً. بدأ الاهتمام بها مؤخراً، خصوصاً في وادي عين الراحة الذي يضم أديرة كبرى مثل دير مار مخايل، ودير مار جرجس، ودير مار بطرس إلى جانب مجموعة من المحابس المنحوتة في الصخر. وفي تنورين التحتا يقع دير مار أنطونيوس حوب، وهو أول دير للرهبنة اللبنانية في منطقة البترون – جبيل. يبلغ عمره نحو ثلاثمائة سنة، غير أن أقدم ذكرٍ مكتوب عنه يعود إلى خمسمائة سنة تقريباً. بجواره تقع محبسة مار جرجس التي تضم مدفن الحبيس أنطونيوس الصغبيني، أحد أبرز النساك في تاريخ الرهبنة اللبنانية. أما دير مار شليطا في تنورين الفوقا، فلا يزال يكتنفه الغموض الأثري، إذ لم تُكتشف كل طبقاته بعد. وتشير المعطيات إلى أنه أقدم من الفترة الصليبية، إذ يحتوي على رموز وزخارف معمارية مميزة، وقد رُمّم حديثاً ليعود إلى الواجهة كمَعلم أثري بارز. تتميّز تنورين أيضاً بوجود محبسة مار يعقوب، وهي أكبر محبسة في لبنان من حيث المساحة، تقع ضمن مغارة ضخمة تضم شيراً صخرياً يُستعمل حالياً لممارسة تسلق الصخور. كما يُعدّ دير مار أنطونيوس وكنيسة السيدة في تنورين التحتا نموذجاً فريداً بفضل مذابحه المزدوجة وعمره الذي يُقدّر بنحو ثمانمائة سنة، وهو شاهد على الاستمرارية الطقسية والمعمارية في المنطقة. من ساحل البترون إلى أعالي حردين وتنورين، يتكشّف تاريخ لبنان الروحي في شبكة من الكنائس والأديرة والمحابس التي تشهد على تلاقي الحضارات: البيزنطية، الصليبية، السريانية، والمارونية. هذه المعالم ليست مجرد حجارة قديمة، بل سجلّ حيّ لذاكرة الإيمان والهوية اللبنانية، ومختبر مستمرّ لتاريخ العمارة والفن الديني في المشرق. د. ريما داغر