تأثير الحرب والنزوح على الأوضاع الاقتصادية في قضاء البترون

لم يكن قضاء البترون بمنأى عن تداعيات الحرب الأخيرة، إذ انعكست موجات النزوح الداخلي بشكل مباشر على واقعه الاقتصادي، محدثةً تحولات ملحوظة في أنماط الاستهلاك والحركة التجارية. وبينما شهدت بعض القطاعات انتعاشًا ملحوظًا بفعل الطلب المتزايد على الحاجات الأساسية، عانت قطاعات أخرى من تراجع حاد نتيجة الصدمة النفسية وتقييد حركة التنقل بين المناطق.
في مقدمة القطاعات المستفيدة، برزت محال السوبرماركت التي سجلت نشاطًا غير مسبوق، مدفوعة بارتفاع إقبال المقيمين والنازحين على حد سواء. فقد تحوّلت هذه المحال إلى نقطة ارتكاز يومية لتأمين الاحتياجات الغذائية الأساسية، في ظل حالة من القلق دفعت الأسر إلى تخزين المواد الغذائية بشكل أكبر من المعتاد.
كما شهدت محال الخضار والفواكه حركة نشطة، خصوصًا مع ازدياد الاعتماد على الطهو المنزلي بدلًا من تناول الطعام في الخارج. وينطبق الأمر ذاته على الأفران التي كثّفت إنتاجها لتلبية الطلب المتزايد على الخبز والمناقيش، باعتبارها من السلع الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها في الظروف الصعبة.
ولم يقتصر النشاط على المواد الغذائية فقط، بل امتدّ أيضًا إلى بعض محال الألبسة، ولا سيما تلك التي توفّر الملابس بأسعار مقبولة، إذ احتاج العديد من النازحين إلى تأمين مستلزمات جديدة بعد مغادرتهم منازلهم على عجل، غالبًا دون القدرة على اصطحاب مقتنياتهم الشخصية.
في المقابل، تكبّدت المطاعم والمقاهي وأماكن الترفيه خسائر واضحة، حيث تراجعت الحركة فيها بشكل كبير. ويُعزى ذلك إلى عاملين أساسيين: الأول هو الصدمة النفسية التي خلّفتها الحرب، والتي حدّت من رغبة الناس في الإنفاق على الترفيه، والثاني هو صعوبة التنقل بين المناطق نتيجة الظروف الأمنية، ما قلّص من عدد الزبائن، خصوصًا القادمين من خارج القضاء.
إن هذه التحولات تعكس نمطًا اقتصاديًا طارئًا يفرضه واقع الأزمات، حيث تتقدّم الأولويات المعيشية على سواها، وتتراجع الأنشطة المرتبطة بالرفاهية. ومع استمرار حالة عدم الاستقرار، يبقى الاقتصاد المحلي في قضاء البترون رهينة التوازن الدقيق بين الحاجات الأساسية للسكان والقدرة على استعادة دورة الحياة الطبيعية في مختلف قطاعاته.
مقالات | ARTICLES
المكتب الذي لا يردّ “مَوتى”
تسريبات "500 ألف ليرة للدولار".. ضغط اقتصادي أم إشارة تحذيرية في توقيت حساس؟

العائلة المشعوذة – الحلقة الثامنة: حينما يرتدي الطمع قناع القرابة في هذه الحلقة، نقترب أكثر من قلب العائلة المشعوذة، أو بالأحرى من رأسها المدبّر، ذاك الذي لا يرى في صلة الدم إلا فرصة، ولا في القرابة إلا بابًا للنفوذ والاستغلال. هنا، لا يعود الاحتيال مجرد أفكار عابرة، بل يتحوّل إلى وسيلة نفسية وذهنية لإحكام السيطرة، وتبرير النصب، وتزيين الطمع. كان ابن العم يعيش حياة مستقرة نسبيًا وهو عصامي ومتعلم حتى أعلى الدرجات، ورث بناية عن أخيه الذي توفي باكرًا، فصارت تلك الملكية مصدر أمان له ولعائلته. لكن في عيون ربّ العائلة المشعوذة، لم تكن تلك البناية سوى “غنيمة مؤجلة”. منذ تلك اللحظة، بدأ الحسد يتغلغل في صدره، يكبر بصمت، ويتحوّل إلى خطة. لم يُظهر المشعوذ ما في داخله. على العكس، لبس قناع القريب الودود. صار يتردد إلى منزل ابن عمه، يطرق الباب بابتسامة، يحمل معه أحيانًا بعض التحف أو المفروشات العتيقة، يعرضها بأسلوب يوحي بأنها فرصة لا تعوّض. كان يضعها عندهم “للتجربة”، ثم بعد أيام، يبدأ الضغط: إما أن تُشترى، أو تُستبدل بالمال السابق. وهنا الحيلة الأخطر: فقد كان يستغل واقع أنه وزوجته قد اقترضا سابقًا مبالغ من ابن عمه أو من شقيقته، فيحوّل الدين إلى أداة ابتزاز. يخلط الحسابات، يربك الأرقام، ويطرح تسويات مبهمة، بحيث يجد الضحية نفسه في نهاية المطاف وكأنه هو المدين، لا الدائن. أما زوجته المشعوذة، فكان لها دور مكمّل لا يقل خطورة. في الجلسات التي تسميها “علنية”، كانت تزرع أفكارًا في عقول الحاضرين، توحي لهم بأن ما يقوم به زوجها هو “توازن في الحقوق”، أو “ردّ لما اختلّ من طاقات”. كانت تُجمّل الفعل، تعطيه غلافًا روحانيًا، فتُضعف قدرة الضحية على الشك أو الاعتراض. ولم يقتصر الأمر على ابن العم فقط، بل امتدّ إلى ابن العمّة أيضًا. نفس الأسلوب، نفس التودّد المزيّف، ونفس لعبة المفروشات والديون. لكن الأخطر كان اللعب على العاطفة العائلية: “نحن أهل… لا داعي للتدقيق… الأمور بيننا تُحلّ بالثقة”. وهنا، تتحوّل الثقة إلى فخ. في العمق، لم يكن ما يحدث مجرد نصب تقليدي، بل كان بناءً تدريجيًا لمنظومة سيطرة: إرباك مالي، ضغط نفسي، واستغلال للعلاقات العائلية، مغطّى بخطاب روحاني زائف. وهكذا بدأ بمدّ خيوطه بخبثٍ أكبر نحو ابن عمّته، مستغلًا بساطته وثقته العائلية التي لم تكن يومًا تتخيّل أن تتحوّل إلى أداة استنزاف. بدأت الحكاية بإغراءٍ محسوب. جلس معه ذات مساء، بنبرة الواثق الخبير، يحدثه عن “فرصة لا تُعوّض”، وعن تجارةٍ مزدهرة، وأرباحٍ مضمونة، وعن مشروع “سيغيّر حياتهما معًا”. لم يكن العرض مجرد فكرة، بل جاء مغلّفًا بتفاصيل تبدو واقعية، وأرقام تُغري، وكلماتٍ مدروسة تُلامس الطموح. ومع الأيام، أخذ الإقناع شكلاً أعمق. لم يعد الأمر مجرد شراكة، بل “دعم عائلي”، “وقفة بين الأقارب” و”استثمار في المستقبل المشترك”. هنا، تهاوت الحواجز الأخيرة، فاقتنع ابن العمّة ببيع قطعة أرض يملكها، وجمع المال، وسلّمه لابن خاله بثقةٍ كاملة، ظنًا منه أنه يخطو نحو شراكة حقيقية. لكن ما إن وقعت الأموال في يد المشعوذ، حتى انقلب المشهد. ببرودةٍ لافتة، أعلن فضّ الشراكة. برّر ذلك بأن العمل “أصبح كبيرًا ومعقّدًا”، وأنه يفضّل الاستمرار وحده “لتجنّب المشاكل”. ثم ألقى بوعدٍ بدا في ظاهره منصفًا: إعادة المبلغ الأصلي… دون أي أرباح. كان وقع الصدمة قاسيًا، لكن ابن العمّة، المثقل بثقافة الرضا وقبول الأمر الواقع، لم يجد أمامه إلا التسليم. وافق، على أمل أن يستعيد على الأقل ما دفعه. وهنا، بدأ الفصل الأشد قسوة من الخدعة. لم يُعد المشعوذ المال كما وعد، بل شرع في تقسيطه بطريقة تُفرغ الوعد من معناه. دفعات صغيرة، متباعدة، غير منتظمة، تُقدَّم وكأنها “جهد كبير” منه. وفي أحيانٍ أخرى، كان يأتي بمفروشات رثة، يدّعي أنها “قطع أثرية نادرة”، ويعرضها كجزء من السداد. كان يزيّن تلك القطع بكلماتٍ منمّقة، يضخّم قيمتها، يروي قصصًا عن أصلها وتاريخها، حتى يكاد الضحية يصدّق أنه يستلم كنزًا لا يُقدّر بثمن، بينما الحقيقة أنها لا تساوي شيئًا يُذكر. وهكذا، تحوّل المال الحقيقي إلى أوهام، والحقوق الواضحة إلى صفقاتٍ ملتبسة، لا يستطيع الضحية فيها أن يثبت شيئًا أو يستردّ حقًا. في هذا المشهد، تتجلّى براعة المشعوذ في إعادة تشكيل الوقائع: يأخذ مالًا حقيقيًا، ويعيد مقابله وعودًا، ثم يستبدل الوعود بأشياء بلا قيمة، ويُقنع الضحية أن كل ذلك “تسوية عادلة”. إنها ليست مجرد عملية نصب، بل منظومة خداع متكاملة، تقوم على استنزاف الثقة قبل المال، وعلى تحويل الضحية من صاحب حق إلى متلقٍ ممتنّ لما يُعطى له. وهنا، تزداد الصورة قتامة: فكلما طال الزمن، تلاشت القدرة على المواجهة، وتحوّلت الخسارة إلى أمرٍ واقع، يلتفّ حوله الصمت.






