بطرس حرب: السّياسيّ الشّريف

بقلم الدّكتور قيس غوش
منذ سنوات طويلة، أحتفظ في ذاكرتي بصورةٍ لا تزال حاضرةً بكلّ تفاصيلها عن بطرس حرب، السّياسيّ والإنسان. تعود هذه الذّكرى إلى عام 1996، يوم وفدنا إلى منزله في احتفالٍ أُقيم في تنّورين، احتفاءً بفوزه الكاسح في الانتخابات النّيابيّة.
كانت ليلةً استثنائيّةً بكلّ معنى الكلمة. الآلاف احتشدوا في أجواء غمرها البهجة والفرح، بعدما جدّد النّاخبون ثقتهم بمرشّحهم الكبير، فاختلطت الهتافات بالتّهاني، وتحولّت المناسبة إلى مشهدٍ شعبيّ عفويّ يعكس مكانة بطرس حرب في وجدان أبناء منطقته ومحبّيه.
لكن ما لفتني يومها، وسط ذلك الحشد الكبير وتلك الاحتفالات الصّاخبة، لم يكن الانتصار الانتخابيّ بحدّ ذاته، بل شخصيّة الرّجل. لاحظت شيئًا أصيلًا لم يفارقه طوال مسيرته السّياسيّة، نائبًا ووزيرًا ورجلًا في الشّأن العام: نزاهة واضحة، وتواضع حقيقيّ، وشرف في ممارسة المسؤوليّة.
ولم تكن تلك الصّفات مجرّد انطباعٍ عابر تركته سهرةٌ انتخابيّة. فقد أثبتت السّنوات اللّاحقة أنّ ما رأيته في تلك اللّيلة كان جزءًا ثابتًا من شخصيّة بطرس حرب، الّتي رافقته في مسيرته الطّويلة في الشّأن العام منذ عام 1972 وحتّى اليوم.
فالرّجل الّذي دخل الحياة السّياسيّة قبل أكثر من نصف قرن، بقي، رغم تنقّله في مواقع المسؤوليّة ومروره بمَحطّاتٍ سياسيّة شديدة التّعقيد، متمسّكًا بصورة السّياسيّ الّذي لا يجعل السّلطة غايةً شخصيّة، ولا يحوّل الموقع العام إلى وسيلةٍ لتحقيق منفعةٍ خاصّة.
وشاءت الأقدار أن تأتي شهادةٌ أخرى على هذه الصّفات، ولكن هذه المرّة من مكانٍ مختلفٍ تمامًا: من القضاء.
ففي القضيّة الّتي طالت عددًا من الوزراء من اتّجاهاتٍ سياسيّة مختلفة، والّتي تناولت أموال وزارة الاتّصالات، جاءت النّتيجة القضائيّة لتؤكّد براءة بطرس حرب وعدم ثبوت تورّطه في ما نُسب إلى آخرين. وهذه البراءة، بالنّسبة إلى من عرف الرّجل عن قرب، لم تكن مفاجئة، بل بدت منسجمةً مع سيرةٍ طويلةٍ من التّعاطي مع الشّأن العام بعيدًا عن المصلحة الشّخصيّة أو المنفعة الخاصّة.
ولعلّ أجمل ما يمكن أن يُقال في هذا السّياق إنّ بطرس حرب لم يكن بحاجةٍ إلى هذه الشّهادة القضائيّة وحدها كي يثبت نزاهته؛ فقد سبقتها شهادة النّاس الّذين عرفوه، وشهادة مسيرته السّياسيّة، وشهادة مواقفه الّتي بقيت حاضرةً على مدى عقود.
في زمنٍ أصبح فيه السّياسيّ الشّريف عملةً نادرة، وحيث تختلط المصالح العامّة بالمصالح الخاصّة، تبقى تجربة بطرس حرب مختلفة. فهو من أولئك الّذين يمكن أن تختلف معهم سياسيًّا، وأن تناقشهم في مواقفهم وخياراتهم، لكن يصعب أن تنزع عنهم صفة النّزاهة عندما تكون السّيرة الطّويلة هي المعيار.
أتذكّر تلك اللّيلة في تنّورين عام 1996، وأتذكّر وجه الرّجل وسط الآلاف الّذين جاؤوا للاحتفال بانتصاره. يومها رأيت السّياسيّ في لحظة انتصار، لكنّني رأيت قبل ذلك وبعده الإنسان الّذي لم تغيّره السّلطة، ولم يبدّل موقعه، ولم تدفعه المسؤوليّة إلى التّخلّي عن تواضعه.
وبعد عقودٍ من تلك الذّكرى، أستطيع أن أقول إنّ الانطباع الّذي تكوّن لديّ في تلك اللّيلة لم يكن وهمًا ولا عابرًا.
بطرس حرب سياسيّ شريف، ونزيه، ومتواضع، قلّ نظيره في عصرنا.





