غسّان... ذلك الذي ترك غيابه فراغًا لا يُملأ

ليس سهلًا أن تكتب عن صديق رحل فجأة. فالكلمات، مهما حاولت أن تكون بسيطة، تبدو عاجزة أمام قسوة الغياب، وخصوصًا حين يكون الراحل من أولئك الذين يتركون في القلب أثرًا أكبر بكثير من عدد السنوات التي عرفناهم فيها.
غسّان كان واحدًا من هؤلاء.
أتذكًر لقاءنا الأوًل وكأنًه حدث بالأمس. لم يكن غسّان يحتاج إلى وقت طويل لكي يترك انطباعًا في نفس من يلتقيه. منذ اللحظة الأولى، لفتني فيه شيء يصعب اختصاره بكلمة واحدة: حضور قوي، وثقة بالنفس، وكاريزما لافتة لا تحتاج إلى استعراض.
كان يدخل إلى المكان فيُلاحظ، ويتحدًث فيُصغى إليه، ويبتسم فتشعر أنً ابتسامته جزء أصيل من شخصيًته، وأنًها ليست مجرًد مجاملة عابرة.
وكانت ابتسامته تحديدًا من أكثر ما يميّزه.
ابتسامة دائمة، تختلط فيها الطيبة بالثقة، ويبدو فيها شيء من القدرة على مواجهة الحياة، مهما أثقلت كاهله.
لم يكن غسّان من الأشخاص الذين يمرّون في حياتك مرورًا عابرًا؛ كان يترك وراءه انطباعًا واضحًا، وذكرى يصعب أن تتلاشى.
ومع مرور الوقت، تحوّل الانطباع الأوًل إلى صداقة، وتحوًلت الصورة الأولى إلى معرفة أعمق بإنسان يمتلك شخصيًةّ واثقة، وحضورًا لافتًا، وقدرةّ على التواصل مع الآخرين بعفويًة ومن دون تكلّف.
لكنً الموت لا يستأذن. والموت المفاجئ، على وجه الخصوص، لا يمنحنا فرصةً للاستعداد، ولا يترك لنا الوقت الكافي لنقول ما كان ينبغي أن نقوله، أو لنودّع من نحبً كما يليق بهم.
ولهذا كان رحيل غسّان بالنسبة إليّ صدمةّ بكلً ما للكلمة من معنى.
لا تزال فكرة أنًه لم يعد هنا تبدو غريبةّ وثقيلة. أن يتحوًل شخص كان حاضرًا بصوته وابتسامته وحضوره إلى صورة في الذاكرة، وإلى اسم نستعيده بحزن، وإلى مجموعة من اللقاءات نحاول من خلالها أن نستحضر إنسانًا كان، حتًى وقت قريب، جزءًا من عالمنا.
أحيانًا لا ندرك قيمة بعض الأشخاص الحقيقيًة إلًا عندما يغادرون.
وعندها نفهم أنً قيمة الإنسان لا تُقاس بعدد اللقاءات التي جمعتنا به، بل بالأثر الذي تركه فينا.
وغسّان ترك أثرًا.
سيبقى في ذاكرتي ذلك الرجل الواثق، صاحب الشخصيًة القويًة، والكاريزما اللافتة، والابتسامة التي كانت تسبق كلامه. سيبقى كما عرفته في لقائنا الأوًل - حتًى لقائنا الأخير : حاضرًا، مميًزًا، وقادرًا على أن يترك في المكان شيئًا من روحه وشخصيًته وهالته.
لن أقولها: إلى اللقاء؛ بل نحن في لقاء دائم صديقي غسًان سعد.
ربيع داغر




