الانتخابات البلدية والاختيارية في لبنان: "تسونامي" حزبي ومالي في ظل غياب المواطنة!

بقلم: د. ريما داغر

في مشهد يعكس تعقيدات الواقع اللبناني أكثر مما يقدّم صورة عن حيويّة ديمقراطية فعلية، مرّت الانتخابات البلدية والاختيارية لعام 2025 بسرعة واختصار، كما بدأت، وسط التباسات لوجستيّة وأمنيّة وسياسيّة، وأصداء باهتة خلت من الحماسة المعتادة. من دون ضجيج يذكر، جرى الاستحقاق بعد تأجيل دام لسنوات، ليعيد خلط الأوراق السياسية ويطلق صفّارات الإنذار لبعض القوى التي كانت تراهن على "موت" الشارع.

في بلدٍ أنهكته الأزمات، بدت هذه الانتخابات وكأنها تمرين ديمقراطي شكليّ من جهة، واختبار تموضع حقيقي من جهة أخرى. فالحدث الانتخابي الذي شمل 1064 بلدية، جرى في ظلّ تحديات أمنية متفاقمة على وقع العدوان الإسرائيلي المستمرّ، وضمن فترة زمنيّة قصيرة للحكومة الوليدة برئاسة نواف سلام، التي نُظر إلى تنظيمها لهذا الاستحقاق كمكسب سياسيّ في ذاته.

وبالرغم من الإخفاقات اللوجستية الواضحة، خصوصاً لناحية ضعف تأهيل رؤساء الأقلام، والإرباك الإداري الواسع، بدا أن وزارة الداخلية نجحت، وفق مراقبين، في عبور الاستحقاق بأقلّ الأضرار ، بل واستطاعت الحكومة أن تكسب الرهان وتفرض تنفيذ الانتخابات، بالرغم من احتقان سياسي وطائفي بلغ ذروته.

لكن، وكما في كلّ استحقاق لبناني، تبقى الأسئلة الأهم: من ربح؟ من خسر؟ وماذا تقول هذه النتائج عن الانتخابات النيابية المنتظرة في 2026؟

المال الانتخابي... الزائر الحاضر

شهدت الانتخابات البلدية اللبنانية استمراراً لظاهرة المال الانتخابي، التي لطالما أثرت على نزاهة الديمقراطية في البلاد. وعلى رغم الجهود المبذولة لضمان شفافية الانتخابات، إلا أن المال الانتخابي بقي حاضراً بقوة، خاصة في المناطق ذات التنافس السياسي الحاد.

فقد كانت الانتخابات ساحة لتأثير المال الانتخابي بشكلٍ ملحوظ، حيث أُشير إلى أن المال كان العامل الحاسم في نتائج العديد من البلديات.

والمؤسف أن السخاء المالي الذي شهدته بعض الحملات الانتخابية لا ينعكس كالعادة، على المشاريع الإنمائية بعد الانتخابات.

الأحزاب التقليدية... العودة إلى المشهد بقوّة

بعيداً عن الإنجاز التنظيمي، تُظهر نتائج الانتخابات مشهداً سياسياً صلباً لصالح الأحزاب التقليدية. لا بل يمكن القول إنّ هذه الانتخابات شكّلت لحظة استعادة للنفَس السياسي لأغلب هذه القوى، في أعقاب انتكاسات شعبية شهدتها في السنوات الماضية، منذ انتفاضة 17 تشرين وما تلاها من صعود لما سُمّي بـ"قوى التغيير".

في بيروت، وهي المدينة التي لطالما كانت ساحةً للتجاذب السياسي، شكّل التحالف الواسع في لائحة "بيروت بتجمعنا" نموذجاً استثنائياً، جمع أطرافاً من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، من "حزب الله" إلى "القوات اللبنانية"، مروراً بالكتائب والأحباش والتيار الوطني الحر. هذا التحالف استطاع أن يحقق فوزاً ، لكنّه فتح الباب أمام تساؤلات عن جدوى التحالفات "غير الطبيعي" في مدينة ذات هوية دقيقة التوازن.

أما زحلة، فشهدت ما يشبه "تسونامي" انتخابي لصالح "القوات اللبنانية"، التي كسرت الطوق السياسي والتحالفي الذي أحاط بها، وحققت فوزاً كاسحاً في وجه ائتلاف ضم خصومها التقليديين والمفترضين. واللافت أنّ هذا الفوز لم يأتِ فقط من جمهورها الثابت، بل من قدرة تنظيمية سمحت لها بتعبئة الشارع، وتقديم خطاب انتخابي جاذب وواضح.

في جبل لبنان، احتدمت المنافسة داخل البيئة المسيحيّة، حيث تبادلت "القوات" و"التيار الوطني الحر" الانتصارات والخسارات في مدن رمزية كجونية وجبيل والجديدة، ما عكس نوعاً من الثنائية السياسية الواضحة، وأعاد رسم خطوط النفوذ التقليدي، وإن بصيغ متجددة.

أما على الساحة الدرزية، فقد حافظ "الحزب التقدمي الاشتراكي" على موقعه المتقدم، مستفيداً من تفاهم ضمني مع خصمه التقليدي "الحزب الديمقراطي اللبناني"، على رغم بعض الخروقات المحدودة في قرى محسوبة تاريخياً على المختارة.

في المقابل، لا تزال الساحة السنّية تعاني من فراغ القيادة بعد تعليق تيار "المستقبل" نشاطه السياسي، ما أنتج مشهداً مشتّتاً عبّرت عنه نسب اقتراع متدنيّة، ونتائج انتخابية غير حاسمة، باستثناء بعض الاختراقات التي سجلها النائب فؤاد مخزومي وجمعية المشاريع الخيرية الإسلامية.

انتخابات الشمال: نسبة مشاركة متوسطة ومعارك انتخابية حاميّة

في طرابلس، التي سُجّلت واحدة من أبرز المعارك الانتخابية، حيث تنافست ثلاث لوائح أساسية على 24 مقعداً، مع خروقات متبادلة بينها.

أما في زغرتا، فقد أثبتت القوى التقليدية حضورها الواسع، لا سيّما في مواجهة داخلية بين التيارات المسيحيّة، كما شهدت أقضية عكار وزغرتا والكورة تنافساً بين تحالفات متعددة ضمّت أحزاباً تقليدية وقوى محلية، مع تسجيل اختراقات لافتة في بعض البلدات.

في القرى السنيّة بعكار، أدّى غياب بعض القوى السياسية الكبرى إلى احتدام المنافسات المحلية بين العائلات والنواب، فيما شهدت مناطق مسيحيّة أخرى معارك بين تحالفات ذات طابع سياسي واضح، دون أن تغيب الحسابات المحلية عنها.

سُجّل أيضاً تفاوت في نسب المشاركة يعود جزئياً إلى فوز 95 بلدية بالتزكية، منها 51 في عكار، وهو ما أثر على نسبة المقترعين الفعلية. كما ظهرت تحديات على مستوى التنظيم، وسط تقصير رسمي في تدريب المندوبين وتثقيف الناخبين، إضافة إلى غياب البلديات في عدد من القرى الصغيرة.

عرفت بعض بلدات البترون، تحالفاً ثلاثيّاً ضمّ حزب "الكتائب اللبنانية" و"القوات اللبنانية" ومجد حرب (نجل النائب السابق بطرس حرب)، وهو تحالف أعاد إلى الأذهان تموضعات قوى "14 آذار". وقد سعى هذا التحالف إلى تقديم نفسه كقوة موحدة في مواجهة خصومه التقليديين، ولا سيّما "التيار الوطني الحر" وحلفائه.

نجح هذا التحالف ولكنّه لم يُترجم فعلياً في كل بلدات القضاء، ما يدل على أن الطابع المحلي لا تزال له الكلمة الفصل في المعارك البلدية، حيث تتقدّم الاعتبارات العائلية والمصلحية على الانقسامات السياسية التقليدية.

ولكن الثابت في البترون، هو استمرار حضور القوى السياسيّة الأساسيّة من كلا المحورين، وإن بتفاوت في الحجم من بلدة إلى أخرى. أما المتغير، فهو قابلية هذه القوى على التحالف أو التراجع بحسب ميزان القوى المحلي، وهو ما يجعل من الانتخابات البلدية مرآة دقيقة لواقع اجتماعي متحرّك أكثر منه سياسي جامد.

الثنائي الشيعي: تزكية تثبيت النفوذ

في الجنوب والضاحية والبقاع، ساد نهج "التزكية" كتعبيرٍ عن وحدة الصف داخل الثنائي الشيعي، مع تفادي المعارك الداخلية، والتأكيد على الامتداد الشعبي والسياسي لتحالف "حزب الله" و"حركة أمل". وقد بلغت عدد البلديات التي فازت بالتزكية نحو 95 بلدية، في مشهد يُقصد منه إظهار الاستقرار والتماسك، لا سيما على خلفية التصعيد الإسرائيلي والاضطرابات الإقليمية.

وفي رسائل انتخابية واضحة، عبّر الشارع الشيعي عن تمسّكه بمحوره السياسي والعسكري، إذ لم تسجَّل اختراقات تُذكر في القرى والبلدات الأساسيّة، باستثناء بعض المحاولات الهامشية للتغيير.

المجتمع المدني وقوى التغيير: الخسارة الكبرى

في بيروت كما في سائر المناطق، بدت قوى "التغيير" ومجموعات المجتمع المدني في موقع دفاعي هش. فشل لائحة "بيروت مدينتي" في تحقيق أي اختراق يُذكَر أعاد طرح علامات استفهام كبرى حول مصير "الظاهرة التغييرية"، التي كانت قبل سنوات فقط تُمثّل أملاً بالخروج من جمود الاستقطاب الطائفي والحزبي.

ويبدو أن تجربة نواب التغيير في البرلمان منذ 2022، والتي شابها خلافات داخلية وعجز عن إنتاج تشريعات أو مواقف موحدة، تركت أثراً سلبياً على جمهورها، ما تسبّب بخيبة أمل وانكفاء شعبي. 

بين البلدي والنيابي: قراءة في دلالات الأرقام

على الرغم من اختلاف النظامين البلدي والنيابي من حيث الصلاحيات والتحالفات، فإنّ ما جرى يمكن أن يُعدّ "بروفة سياسية" لما ينتظر لبنان في ربيع 2026. من الواضح أن الأحزاب التقليدية باتت أكثر تنظيماً، وأشدّ حضوراً في الشارع، بعد أن استوعبت صدمة "17 تشرين"، وصحّحت بعض اختلالاتها البنيوية.

لكن الأكيد أن الانتخابات المقبلة لن تكون مجرّد تكرار لنتائج 2025، إذ إنّ التحالفات الهجينة التي أنتجتها اللوائح البلدية قد لا تصمد في معركة نيابية أكثر حدة واستقطاباً. فـ"بيروت بتجمعنا"، مثلاً، لن تكون لائحة واحدة في أي دائرة نيابيّة. والكتلة الشعبية التي خاضت مع "القوات" معركة قاسية في زحلة، قد تجد نفسها شريكة في تحالفات لوائح معها، أو ضدها.

خلاصة أوليّة: كلهم "رابحون"؟!

في لبنان، كما هي العادة، الكلّ يُعلن فوزه. لكن الحقائق على الأرض تُشير إلى مكاسب وخسائر متفاوتة، تعيد رسم ملامح التوازن السياسي. وإذا كانت الأحزاب التقليدية قد استرجعت بعض من قوتها، فإنّ قوى التغيير مطالبة اليوم، وبإلحاح، بإجراء مراجعة قاسية لتجربتها، وإلّا فإنّ الانتخابات النيابية المقبلة ستكون بمثابة ضربة قاضية لمشروعها.

وفي الانتظار، يبدو أنّ "النبض الشعبي" لا يزال حائراً، والمال الانتخابي لا يزال نشطاً، بينما بقيت دعوات "المواطنة" والتغيير أسيرة الانقسامات والتنظير، في بلدٍ لا يزال بحاجة إلى عملٍ دؤوب لإعادة هيكليّته واسترجاع هويّته والتمتّع بسيادته! 

29 May 2025 | بقلم: د. ريما داغر
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c March 14, 2026
في بعض المجتمعات الصغيرة، حيث يعرف الناس بعضهم بعضاً وتتشابك العلاقات العائلية والاجتماعية، قد تظهر نماذج بشرية شاذة عن القيم العامة. نماذج تتقن فن الاستغلال أكثر مما تعرف معنى العيش المشترك، وتتعامل مع الآخرين بوصفهم وسيلة للمنفعة لا شركاء في الحياة. ومن بين هذه النماذج ما يمكن تسميته بـ “العائلة المشعوذة”؛ عائلة لا يجمع أفرادها سوى هاجس واحد: كيف يمكن الاستفادة من الآخرين، ولو على حساب الأخلاق والروابط الإنسانية؟ هذه العائلة لم تُعرف يوماً بعمل منتج أو بمساهمة بنّاءة في مجتمعها، بل اشتهرت بمحاولات الالتفاف على حقوق الأقارب قبل الغرباء. فمنذ سنوات طويلة، تلاحقت الروايات عن محاولات الاستيلاء على ميراث أقاربهم من الأراضي والعقارات، عبر الضغط أو التضليل أو استغلال ثقة بعض كبار السن من أفراد العائلة الممتدة. وكأن الأرض التي ورثها الآباء والأجداد تحوّلت في نظرهم إلى فرصة للانقضاض لا إلى أمانة تُصان. ولم يقف الأمر عند حدود النزاعات العائلية، بل امتد إلى ميادين أخرى أكثر غرابة؛ فقد دخل بعض أفراد هذه العائلة في تجارة القطع الأثرية الملتبسة، مستغلين جهل بعض الناس وخيال قصص الكنوز المدفونة التي لطالما أغرت الحالمين بالثراء السريع. وهكذا انتشرت حكايات عن صفقات وهمية وخدع مالية، دفع ثمنها أشخاص صدّقوا الروايات الملفقة ووقعوا ضحية الطمع أو الثقة المفرطة. والأغرب من ذلك أن بعض أفراد هذه العائلة لم يترددوا حتى في تبديل مواقفهم الدينية أو السياسية متى رأوا في ذلك منفعة شخصية. فالمبدأ لديهم ليس قناعة أو إيماناً، بل مجرد وسيلة أخرى لتحقيق مكاسب أو نيل رضا جهة ما. فيتحول الانتماء، الذي يفترض أن يكون مسألة هوية ووجدان، إلى ورقة للمساومة أو باب للمنفعة. أما الأبناء الذين غادروا البلدة يوماً بحثاً عن العمل في دول الخليج، فقد ظنّ كثيرون أن الغربة ربما تعلّمهم معنى الانضباط واحترام القوانين. لكن الأخبار التي عادت إلى البلدة لم تكن مشجعة؛ فقد تكررت حوادث إساءة الأمانة والسرقة، مما أدى إلى طرد بعضهم من أعمالهم وفرض حظر على دخولهم إلى تلك الأقطار. وهكذا عادوا بخيبة أكبر وبسمعة أثقل، لا لأن الظروف ظلمتهم، بل لأنهم لم يتعلموا درس الأمانة. وفي بلدة بترونية صغيرة هادئة، حيث يميل الناس عادة إلى السهرات الودية والحديث عن شؤون الحياة اليومية، باتت جلسات هذه العائلة مختلفة. فما يتسامرون به في لياليهم ليس ذكريات جميلة ولا أحلاماً بالمستقبل، بل كلام مشبع بالحقد والضغينة. حديثهم يدور غالباً حول الآخرين، خصوصاً أبناء جلدتهم، إضافة إلى تميزهم بنبرة طائفية بغيضة تعكس ضيق أفق أكثر مما تعكس موقفاً سياسياً أو فكرياً. وهكذا تتحول السهرات التي يفترض أن تكون مساحة للتقارب الاجتماعي إلى منصات لبث الكراهية وتكريس الانقسام. وكأن العائلة التي عجزت عن بناء سمعة طيبة لنفسها تحاول تعويض ذلك بزرع الشكوك والعداوات بين الناس. لكن المجتمعات، مهما صغرت، تمتلك عادة مناعة أخلاقية. فالناس قد يصبرون طويلاً، لكنهم في النهاية يميزون بين من يبني ومن يهدم، بين من يحفظ الأمانة ومن يتخذها وسيلة للنهب. لذلك فإن سمعة أي عائلة لا تُصنع بالكلام ولا بالادعاءات، بل بالسلوك اليومي وبالاحترام الذي تفرضه على الآخرين. أما العائلة المشعوذة، فقد اختارت طريقاً آخر… طريقاً قصيراً في المكاسب، طويلاً في الخسارة. وللبقية تتمة… ربيع داغر
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c March 13, 2026
في زمن الحروب والأزمات الأمنية، تصبح السلامة العامة مسؤولية وطنية مشتركة لا تقتصر على المؤسسات الرسمية فحسب، بل تمتد لتشمل المجتمع بكل مكوناته. وفي بلد مثل لبنان الذي عاش تجارب قاسية مع الحروب والاعتداءات العسكرية، تتضاعف الحاجة إلى ترسيخ ثقافة السلامة العامة واعتماد إجراءات وقائية تحمي المواطنين وتحدّ من الخسائر البشرية والمادية. لقد أثبتت التجارب السابقة، خصوصاً خلال الحرب الأهلية اللبنانية وما تلاها من اعتداءات وحروب، أن الاستعداد المسبق والتخطيط السليم يمكن أن ينقذا حياة الكثيرين. فالخطر في زمن الحرب لا يقتصر على العمليات العسكرية المباشرة، بل يشمل أيضاً القصف العشوائي، وانقطاع الخدمات الأساسية، وتدمير البنى التحتية، فضلاً عن الأزمات الصحية والإنسانية التي ترافق مثل هذه الظروف. من هنا تبرز ضرورة اعتماد إجراءات واضحة للسلامة العامة، تبدأ بتوعية المواطنين على كيفية التصرف في حالات الطوارئ، مثل معرفة أماكن الملاجئ الآمنة، والتعامل مع صفارات الإنذار، وتخزين الحد الأدنى من المواد الأساسية كالمياه والأدوية والغذاء. كما يجب تدريب المواطنين على الإسعافات الأولية، لأن الدقائق الأولى بعد وقوع أي حادث أو قصف قد تكون حاسمة في إنقاذ الأرواح. ولا يقلّ دور المؤسسات الرسمية أهمية في هذا المجال. فالدولة مطالبة بتعزيز جاهزية أجهزة الدفاع المدني، وتطوير خطط الإخلاء في المدن والبلدات، وتأمين مراكز طوارئ قادرة على استقبال المصابين والنازحين. كما ينبغي تحديث البنية التحتية الخاصة بالملاجئ العامة، وإعادة تفعيلها في المناطق السكنية المكتظة، خصوصاً في المدن الكبرى مثل بيروت. إلى جانب ذلك، يلعب الإعلام دوراً أساسياً في نشر ثقافة السلامة العامة. فالتوعية المستمرة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي يمكن أن تساعد المواطنين على فهم المخاطر المحتملة والتعامل معها بهدوء ووعي، بدلاً من الوقوع في حالة الذعر التي غالباً ما تزيد من حجم الخسائر. إن الحرب، مهما كانت قاسية، لا تعني الاستسلام للفوضى أو العشوائية. بل على العكس، هي لحظة تتطلب أعلى درجات التنظيم والوعي والتضامن. وعندما تتحول إجراءات السلامة العامة إلى ثقافة يومية لدى المواطنين، يصبح المجتمع أكثر قدرة على الصمود وتجاوز المحن. في النهاية، تبقى الحقيقة الأساسية أن حماية الإنسان هي الأولوية القصوى في أي ظرف، ولا سيما في زمن الحروب. ومن هنا فإن اعتماد إجراءات السلامة العامة في لبنان ليس مجرد خيار إداري، بل هو ضرورة وطنية وإنسانية لضمان بقاء المجتمع متماسكاً وقادراً على مواجهة التحديات مهما اشتدت. ربيع داغر
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c March 10, 2026
في الأنظمة الديمقراطية، يشكّل الاحتكام إلى صناديق الاقتراع الركيزة الأساسية التي تقوم عليها شرعية السلطة السياسية. فالانتخابات ليست مجرد إجراء دستوري دوري، بل هي لحظة تجديد للعقد بين الشعب وممثليه. وعندما يتم تجاوز هذه اللحظة عبر التمديد للمجالس النيابية، يشعر الرأي العام بأن حقه الطبيعي في المحاسبة والتغيير قد سُلب منه، وأن إرادته وُضعت جانباً لمصلحة حسابات سياسية ضيقة. في لبنان، حيث يعاني المواطن أصلاً من أزمات سياسية واقتصادية ومعيشية خانقة، يبدو التمديد للمجلس النيابي وكأنه إضافة جديدة إلى سلسلة الإحباطات التي تثقل كاهل الناس. فالمواطن الذي ينتظر موعد الانتخابات ليعبّر عن رأيه في الأداء السياسي، ويكافئ من يراه جديراً بالثقة أو يعاقب من يراه مقصّراً، يجد نفسه فجأة أمام واقع مفروض عليه، يمدّد عمر الطبقة السياسية نفسها من دون الرجوع إلى إرادة الناخبين. هذا التمديد لا يُعدّ مجرد إجراء تقني أو إداري، بل يحمل في طياته ظلماً واضحاً للرأي العام. فالناخبون الذين منحوا ثقتهم لنوابهم لفترة محددة، فعلوا ذلك ضمن إطار زمني واضح نصّ عليه الدستور والقوانين. وعندما يتم تمديد هذه الولاية، تتغيّر قواعد اللعبة السياسية من دون موافقة أصحاب الحق الأساسيين، أي المواطنين. ومن جهة أخرى، يضع التمديد صورة الديمقراطية في لبنان أمام اختبار صعب. إذ إن احترام المهل الدستورية يعكس مدى التزام الدولة بمبادئ التداول السلمي للسلطة. أما القفز فوق هذه المهل، حتى ولو تحت ذرائع مختلفة، فيعزز شعور الناس بأن المؤسسات السياسية لا تعمل دائماً وفق ما يريده الشعب، بل وفق ما تفرضه توازنات القوى ومصالحها. ولا يقتصر أثر هذا الظلم على الجانب السياسي فحسب، بل يمتد إلى الجانب النفسي والمعنوي لدى المواطنين. فالإحساس بأن الصوت الانتخابي قد تم تعطيله أو تأجيله قسراً يولّد حالة من اللامبالاة أو الإحباط تجاه المشاركة في الحياة العامة. ومع مرور الوقت، قد يؤدي ذلك إلى تآكل الثقة بالمؤسسات الديمقراطية نفسها. إن معالجة هذه المسألة لا تكون بتبرير التمديد أو التعامل معه كأمر واقع، بل بإعادة الاعتبار إلى المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه الديمقراطية ألا وهو حق الشعب في اختيار ممثليه ضمن مهل واضحة ودورية. فالرأي العام ليس تفصيلاً في المعادلة السياسية، بل هو أساس الشرعية ومرجعها الأول. ويبقى احترام إرادة الناس هو الطريق الوحيد للحفاظ على ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها؛ وأي مساس بهذا الحق، مهما كانت مبرراته، يبقى في نظر كثيرين ظلماً فادحاً للرأي العام الذي ينتظر دائماً أن يكون صوته هو الكلمة الفصل في تحديد مستقبل الحياة السياسية. ربيع داغر
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c February 20, 2026
هو مختار إحدى البلدات البترونية الجبلية، حيث يعرف الناس بعضهم بعضاً بالاسم والكنية، ويختلط الخاص بالعام في المقاهي والساحات، يبرز “مختار ثرثار” كحالة شاذة تستحق التوقف عندها؛ ليس لأن الرجل لا ينجز المعاملات، بل لأنّه يتحدث عنها كثيرا وربما أكثر مما يجب. المختار في لبنان ليس مجرّد موظف محلي، بل هو موقع معنوي واجتماعي قبل أن يكون إدارياً. فبموجب القوانين المرعية، وخصوصاً قانون البلديات، يُعدّ المختار حلقة الوصل بين المواطن والإدارة الرسمية، يصدّق التواقيع، ينظّم الإفادات، ويواكب معاملات حسّاسة تتصل بالأحوال الشخصية والإقامة والإرث وغيرها. وهو بذلك مؤتمن على أسرار الناس قبل أوراقهم. لكن ماذا يحدث حين يفقد المختار حسّ الكتمان؟ في البلدة المعنية، بات بعض الأهالي يتداولون باستياء كيف يُفصح المختار عن طبيعة المعاملات التي يحررها: هذا استصدر إفادة فقر، وذاك ينقل قيده، وتلك تتابع معاملة طلاق، وآخر يسعى إلى وكالة بيع أو بعد أوراقا للسفر. تُقال الأمور أحياناً بنبرة عفوية، وأحياناً بنبرة استعراض للنفوذ أو لكثرة المراجعين. غير أن النتيجة واحدة: انكشاف خصوصيات الناس في مجتمع صغير لا يرحم. المشكلة هنا ليست قانونية فحسب، بل أخلاقية أيضاً. فالمختار، بحكم موقعه، مطالب باحترام أدبيات الوظيفة العامة: السرية، الحياد والتجرّد. فالخصوصية ليست ترفاً في قرية جبلية، بل حاجة ملحّة لصون الكرامة. وما قد يُقال عرضاً في مجلس ضيق، قد يتحوّل إلى إشاعة تجوب البلدة بأكملها خلال ساعات. إن الثقة بين المواطن والمختار هي أساس العلاقة. فإذا اهتزّت هذه الثقة، تردّد الناس في اللجوء إليه، أو لجأوا إليه مضطرين وهم متوجّسون. وفي مجتمع لبناني يعاني أصلاً من أزمات اقتصادية واجتماعية، تصبح الحاجة إلى مؤسسات محلية موثوقة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. قد لا يكون “المختار الثرثار” سيّئ النية. فلربما يعتقد أنه يبرز نشاطه وخدمته لأبناء بلدته. لكن الخدمة الحقيقية لا تحتاج إلى إعلان تفاصيلها. فالعمل الصامت، خصوصاً في ما يتصل بحياة الناس الخاصة، هو أرقى أشكال المسؤولية. لكن الحالة التي نتناولها قد تتصرف بمحض الحاجة إلى البوح للتسلية ولعادة الثرثرة السيئة! من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة التذكير بأدبيات المختارية: أن يكون المختار كتوماً، حكيماً، بعيداً عن استثمار المعلومات في المجالس. فالموقع ليس مساحة للوجاهة الاجتماعية فقط، بل أمانة. وفي تلك البلدة الجبلية البترونية التي يقيم معظم أهلها في الساحل، حيث تختلط المصالح العائلية والسياسية والاقتصادية، تبقى الكلمة أخطر من الورقة المختومة. والمختار الذي لا يحفظ السر، يخاطر بأن يخسر أثمن ما يملك: ثقة الناس. ربيع داغر
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c February 15, 2026
إنّ عودة الرئيس سعد الحريري إلى العمل السياسي في لبنان، إذا ما حصلت بعد 14 شباط 2026، لا يمكن قراءتها كحدثٍ عابر أو قرار شخصي فحسب، بل كتحوّل سياسي قد ينعكس على التوازنات الداخلية، وعلى المزاج الشعبي داخل البيئة السنية خصوصاً، كما على المشهد الوطني عموماً. فالرجل، رغم ابتعاده النسبي في السنوات الأخيرة، بقي حاضراً في الذاكرة السياسية اللبنانية، وفي وجدان شريحة واسعة من اللبنانيين. أما الإيجابيات المحتملة لهكذا عودة فيمكن تصنيفها على الشكل التالي: 1. إعادة توحيد الشارع السني: إن إحدى أبرز الإيجابيات المتوقعة هي إمكانية إعادة لملمة الموقف السني الذي شهد تشتتاً واضحاً بعد ابتعاد الحريري. فغياب المرجعية السياسية الجامعة أوجد فراغاً، ما جعل الساحة عرضة لتعدد الزعامات المحلية وضعف القدرة على التأثير الوطني. وهنا فعودة الحريري قد تصوغ نوعاً من الانتظام والتمثيل الموحد. 2. استعادة التوازن في الحياة السياسية: لطالما مثّل الحريري ركناً أساسياً في المعادلة السياسية اللبنانية، ووجوده كان يشكّل عنصراً توازنيّاً في العلاقات بين القوى المختلفة. ومن هنا فعودته قد تشكل شيئاً من هذا التوازن، خاصة في ظل الانقسامات الحادة والاصطفافات المتغيرة. 3. إعادة تنشيط العمل الحزبي والمؤسساتي: شهدت المرحلة الماضي فتوراً في نشاط تيار المستقبل الذي كان يقوده، سواء على مستوى التنظيم أو الحضور الشعبي. عودة القيادة قد تضخ حيوية جديدة في البنية الحزبية، وتعيد تفعيل القواعد والكوادر، وتمنح الشباب السياسي منصة عمل أوضح. 4. البعد الإقليمي والدولي: يتمتع الحريري بعلاقات إقليمية ودولية واسعة، وعودته قد تفتح قنوات تواصل دبلوماسية واقتصادية يحتاجها لبنان بشدة. فالدعم الخارجي غالباً ما يرتبط بوجود شخصيات قادرة على التفاعل مع العواصم المؤثرة. 5. إعادة الأمل لجمهور محبط: جزء كبير من جمهور المستقبل شعر بالإحباط خلال فترة الغياب، وعودة زعيم اعتادوا عليه قد تكون جرعة من الأمل والثقة بإمكانية التغيير أو التحسين، حتى ولو كان ذلك نفسياً في البداية. إلى ذلك فمع العودة هناك احتمالات لانطلاقة جديدة كما يلي: 1. خطاب سياسي متجدد: إن النجاح في العودة لن يكون مجرد إعلان سياسي، بل سيتطلب خطاباً مختلفاً يواكب المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، ويعترف بأخطاء الماضي ويطرح رؤية واقعية للمستقبل. 2. تجديد النخبة المحيطة: أي انطلاقة جديدة تحتاج إلى وجوه جديدة إلى جانب الشخصيات المخضرمة، ما يمنح صورة التغيير ويكسر الانطباع بالجمود الذي رافق بعض المراحل السابقة. 3. برنامج اقتصادي واضح: لبنان يمر بأزمة اقتصادية عميقة، وأي عودة فاعلة يجب أن ترتكز على خطة اقتصادية ملموسة، لا شعارات عامة. وضوح البرنامج قد يكون مفتاح استعادة الثقة الشعبية. 4. توقيت 14 شباط ودلالته الرمزية: اختيار ما بعد 14 شباط ليس تفصيلاً عابراً، فالتاريخ يحمل رمزية مرتبطة بذاكرة سياسية وشعبية. الانطلاق بعده قد يمنح العودة بعداً عاطفياً وتاريخياً يسهّل تعبئة الجمهور. أما التحديات التي قد تواجه العودة فيمكن حصرها في التالي: تبدل المزاج الشعبي، بروز قوى جديدة، ارتفاع سقف المطالب المعيشية وتراجع الثقة بالطبقة السياسية عموماً. لذلك فإن النجاح لن يكون مضموناً بمجرد الإعلان، بل هو مرتبط بقدرة حقيقية على إحداث فرق ملموس. بالخلاصة فإن عودة الرئيس سعد الحريري المحتملة إلى الساحة السياسية اللبنانية قد تشكّل فرصة لإعادة تشكيل جزء من الحياة السياسية اللبنانية، وإحياء تيار كان له حضور واسع لسنوات. غير أنّ هذه العودة، لكي تتحول إلى “انطلاقة جديدة” فعلاً، تحتاج إلى رؤية مختلفة، وأدوات حديثة، وجرأة في التغيير، لأن الجمهور في عام 2026 لن يكون هو نفسه جمهور ما قبل عقدٍ أو عقدين من الزمن. ربيع داغر
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c February 12, 2026
يشكّل تيار المردة واحداً من التيارات السياسية اللبنانية التي ارتبط حضورها بتاريخٍ طويل من العمل السياسي والاجتماعي، وخصوصاً في مناطق الشمال. وعلى الرغم من أنّ معقله التقليدي في زغرتا، إلا أنّ حضوره في قضاء البترون لم يكن عابراً، بل اتخذ طابعاً متدرّجاً يجمع بين البعد التاريخي والامتداد الشعبي الذي يتبدّل وفق الظروف السياسية والتحالفات الانتخابية. تاريخيا يرتبط اسم تيار المردة بعائلة فرنجية التي لعبت دوراً سياسياً بارزاً في لبنان منذ عقود. هذا الامتداد التاريخي انعكس بطبيعة الحال على المناطق المجاورة، ومنها البترون، حيث وُجدت علاقات اجتماعية وسياسية متشابكة بين العائلات والقرى. لم يكن الحضور دائماً في شكل تمثيل نيابي مباشر، بل ظهر أحياناً عبر تحالفات انتخابية أو دعم لوائح وشخصيات قريبة من خط التيار السياسي. أما عن البعد الشعبي والاجتماعي في البترون، فيتجلّى حضور المردة أكثر في القاعدة الشعبية التي تتكوّن من مؤيدين تاريخيين أو من ناخبين يتقاطعون مع خطابه السياسي في قضايا معينة. وغالباً ما يرتبط هذا التأييد بعوامل عائلية أو مناطقية أو بمواقف سياسية عامة، كالموقف من الدولة ودور المؤسسات والعلاقة مع القوى الأخرى. كما أنّ النشاطات الاجتماعية والخدماتية، وإن لم تكن بحجم مناطق النفوذ التقليدية للتيار، ساهمت في إبقاء اسمه حاضراً في الوعي المحلي. إلى ذلك تلعب التحالفات الانتخابية دوراً حاسماً في تحديد قوة أي تيار سياسي في البترون، وهي منطقة معروفة بتنوّعها الحزبي واحتدام المنافسة فيها. لذلك فإن حضور المردة يتأثر بشكل مباشر باللوائح المشتركة وبطبيعة الشراكات مع قوى أخرى. في بعض الدورات الانتخابية يظهر الحضور أكثر وضوحاً، وفي دورات أخرى يتراجع ليصبح رمزياً أو داعماً من الخلف. في المرحلة الراهنة، يمكن وصف حضور تيار المردة في البترون بأنه حضور ثابت لكن غير مهيمن. فهو يمتلك قاعدة معروفة ووجوهاً مؤيدة، لكنه لا يشكّل القوة الأساسية مقارنةً بالأحزاب الكبرى الأخرى في القضاء. ومع ذلك، يبقى لاعباً سياسياً لا يمكن تجاهله، خصوصاً في الحسابات الانتخابية الدقيقة حيث قد تؤثر بضعة آلاف من الأصوات في رسم النتائج. إدن فتيار المردة في البترون ليس ظاهرة طارئة ولا قوة كاسحة، بل هو حضور تاريخي متجذّر جزئياً، وشعبي متحوّل تبعاً للظروف. قوته تكمن في استمراريته وعلاقاته الممتدة، بينما يتحدد حجمه الفعلي وفق التحالفات واللحظة السياسية. وفي مشهد انتخابي لبناني يتّسم بالتبدّل الدائم، يبقى هذا الحضور جزءاً من التوازنات التي تصنع خصوصية البترون السياسية. ربيع داغر
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c February 11, 2026
لطالما قُدِّم لبنان على أنه نموذج للحرية والديمقراطية في محيطه العربي، واعتُبرت هذه السمة مصدر تفوّق ثقافي وسياسي على سائر دول الشرق، غير أن هذه المزايا المزعومة كانت تتهاوى في كل استحقاق مصيري، مع إصرار دائم على تحميل المسؤولية للخارج أو التذرّع بالطائفية كسبب جاهز للفشل. إلا أن التمعّن في جوهر الأزمة يكشف أن الخلل الأساسي كامن في بنية المجتمع اللبناني نفسه، الذي لم يبلغ بعد نضجه السياسي، ولا يزال مثقلاً بإرث الإقطاع والبيوتات السياسية. فبدل مواجهة الواقع، رسّخ المجتمع انغلاقه وخوفه، لا من الآخر أو من الطوائف الأخرى فحسب، بل من محاسبة ذاته. وقد تحوّل السلوك السياسي إلى ممارسة غير عقلانية تحكمها الأنانية وروح النكاية، إلى حد تبرير الإضرار بالمصلحة الذاتية بذريعة الحقد أو الولاء. وعليه، فإن الانتخابات، رغم التعويل المتكرر عليها، لا تعدو كونها إعادة إنتاج للواقع القائم بأشكال مختلفة داخل كل طائفة، ما يجعل من غير المنطقي الاستمرار في إلقاء اللوم على عوامل خارجية، بعدما بات واضحًا أن الأزمة هي، في جوهرها، أزمة مجتمع قبل أن تكون أزمة نظام.ففي الشارع الشيعي، يواصل الثنائي هيمنته شبه المطلقة من دون أي خرق يُذكر، تحت ذريعة حماية طائفة منكوبة ومحصّنة بالسلاح. أما لدى الدروز، فيبدو أن الحزب التقدمي الاشتراكي سيحصد ما هو له وما كان يُعوَّل عليه من حراكٍ اعتراضي، مع هامش محدود يُترك لبعض الوجوه المحسوبة على “مير” الطائفة. وعند السنّة، يبقى المشهد على حاله، حيث يملأ الموجود الفراغ الذي خلّفه غياب تيار المستقبل، في صورة عبثية تختصرها معادلة “على السكين يا بطيخ”. أما في الساحة المسيحية، فلا تغيير يُذكر: العوني الملتزم باقٍ على التزامه، والقواتي في حالة انتفاض دائمة، والكتائبي في موقع الامتعاض، فيما يُختزل ما يُسمّى بالرأي العام المستقل في جمهور مُدجَّن وبعض العونيين المستحيين الذين سيعودون ليكونوا عونيين داخل صندوق الاقتراع ناهيك عن ما سمو بالبيوتات السياسية الذين ينتظرون الانقضاض على ما تركته الاحزاب لهم . وبعد كل ما جرى وما سيجري، يبقى السؤال المشروع: أحقًا ما زال الحق على “التليان”؟ لقد أظهرت الانتخابات البلدية الأخيرة هذا الواقع الأليم بأوضح تجلياته، إذ كلما ضاقت الدائرة الانتخابية طفت الظواهر المرضية إلى السطح وجاءت النتائج هزيلة إلى أقصى الحدود. إن غياب الوعي الجماعي بطبيعة لبنان ودوره واستراتيجية بقائه يهدد بفقدان مبرر وجوده ذاته، وليس في ذلك أي تهويل. فالهاوية باتت أمامنا، ونسير نحوها بخطى ثابتة تحت شعارات واهية أفقدتنا كل ما نملك، مقترنة بأنانيات فردية وأمراض مجتمعية زادت الزيت على النار. ومن هنا، فإن الديمقراطية لا تصلح لمجتمع جاهل لا يفرض المحاسبة ولا يحكم، بل يُحكَم به، ولا يتعلّم ليطوّر ذاته بل يلقّن ما يجب فعله. إنه انحطاط بلغ مداه الأقصى، وقد يدفع بنا، في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، إلى السقوط في مجاهل التاريخ. أنطوني رزق - جران
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c February 11, 2026
يشهد قضاء البترون، مع اقتراب أي استحقاق نيابي جديد، حالة من الترقّب السياسي تختلف في ملامحها عمّا كان سائداً في الدورات الانتخابية السابقة. فالسؤال المطروح بقوة في الأوساط الشعبية والحزبية على السواء لم يعد يقتصر على من سيفوز من الوجوه التقليدية، بل بات يتمحور حول احتمال خرق المشهد السياسي بوجوه جديدة قادرة على تعديل موازين القوى، ولو جزئياً. على مدى سنوات، ارتبطت نتائج الانتخابات في البترون بأسماء راسخة تنتمي إلى أحزاب كبرى أو عائلات سياسية معروفة، ما جعل المعركة في كثير من الأحيان محصورة بين أقطاب محددين. غير أنّ التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي مرّ بها لبنان في السنوات الأخيرة، إضافة إلى تراجع الثقة الشعبية بالطبقة السياسية التقليدية، فتح الباب أمام مزاج انتخابي مختلف، أكثر ميلاً إلى التجربة والتغيير. العامل الأبرز الذي قد يساهم في تبدّل النتائج يتمثّل في شريحة الناخبين الشباب، وهي فئة باتت أكثر حضوراً وتأثيراً من أي وقت مضى. هذه الفئة لا ترتبط غالباً بولاءات تاريخية، بل تميل إلى تقييم المرشحين وفق البرامج والرؤى المستقبلية، خصوصاً في ما يتعلّق بالاقتصاد وفرص العمل والخدمات المحلية. ومع اتساع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح للمرشحين الجدد منصّات مباشرة للتواصل مع الناخبين، بعيداً عن القنوات الحزبية التقليدية. إلى جانب ذلك، تلعب التحالفات الانتخابية دوراً محورياً في رسم صورة النتائج. ففي البترون، كما في سائر الدوائر اللبنانية، قد يؤدي تبدّل التحالفات أو تفككها إلى إحداث خروقات غير متوقعة. فالمرشح الذي كان في موقع ضعيف في دورة سابقة، قد يجد نفسه مدعوماً بكتلة انتخابية وازنة في دورة لاحقة، ما يمنحه فرصة جدية للدخول إلى الندوة البرلمانية. ولا يمكن إغفال العامل الاقتصادي الضاغط، إذ إن الأزمات المعيشية تدفع شريحة من الناخبين إلى البحث عن خطاب جديد أو شخصيات تحمل طابعاً إصلاحياً أو اختصاصياً، كالأطباء ورجال الأعمال وأصحاب الخبرات الإدارية. هذا التوجّه قد يخلق مساحة حقيقية أمام “الوجوه الجديدة”، شرط أن تتمكن من بناء ثقة محلية وأن تقدّم خطاباً واقعياً لا يكتفي بالشعارات. مع ذلك، يبقى نفوذ الأحزاب التقليدية عاملاً ثابتاً لا يمكن تجاهله، نظراً لامتلاكها قواعد تنظيمية راسخة وماكينات انتخابية فعّالة. وبالتالي فإن احتمال فوز وجوه جديدة لا يعني بالضرورة انقلاباً كاملاً في النتائج، بل قد يظهر على شكل خروقات محدودة لكنها ذات دلالة سياسية، تعكس تحوّلاً تدريجياً في المزاج العام أكثر مما تعكس تغييراً جذرياً وفورياً. في المحصلة، يمكن القول إن البترون تقف أمام احتمال واقعي لتبدّل جزئي في نتائجها الانتخابية، مدفوعاً بتغيّر الأولويات الشعبية وظهور شخصيات جديدة تسعى لاقتحام المشهد. غير أن حجم هذا التبدّل سيبقى مرهوناً بقدرة هذه الوجوه على تحويل الرغبة بالتغيير إلى أصوات فعلية في صناديق الاقتراع، وبمدى تمكّنها من منافسة البنية الحزبية التقليدية على أرضها. ربيع داغر
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c February 5, 2026
رحل القريب والصديق جوزف مسعد يونس؛ الرجل المتجرد من صغائر العيش والمترفع عن سخافات الحياة. هو الأب الذي ربّى - مع زوجته الفاضلة زكية - عائلة متكاملة الصفات والميزات من علم وأخلاق ولياقة اجتماعية. وهو الرجل الفريد في تطلعاته السامية إن كان في أفكاره الاستثنائية العميقة أم في علاقاته المميزة الرفيعة المستوى أو في مفهومه الواضح للإنسان والمجتمع والعلاقات. جوزف يونس: سأشتاق إلى جلسات الحوار الجميلة معك نجوب فيها آفاق العيش وأسرار الكون والوجود وألغاز الموت. ربيع داغر
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c February 1, 2026
يا ليلة لبلاء في شهر كانون الثاني الأصم، أما لعتمتك انقضاء أما أن لجيشنا اللبناني الوطني بامتياز أن يبصر النور بعد سنوات من الحرمان والعوز وضيق سبل العيش والفقر في التجهيز والتسليح والعتاد والعديد... أخيرا علمنا بواسطة وسائل الأنباء والتواصل أنه بدأ التحضير لاجتماع كبير لدعم هذا الجيش اللبناني الذي نتوق لأن نراه قوياً منيعاً عصيا على الزمن والمحن. هذا المؤتمر المزمع عقده في الخامس من آذار، وعلى حد قول العميد المتقاعد والخبير العسكري سعيد القزح، أموال وعتاد وتجهيز وسلاح حربي يساعد في القتال ضد أي معتد إن كان من الداخل أو عدو غاشم من الخارج. وقديما كان يقال: نفضل الذل "السوري" على الاسرائيلي وهذا ما يجب أن يكون لبنان قد تفلت وتحرر من هذه البدعة أو المهزلة، إذ أننا لا نريد لا هذا -سيما وأن النظام الأسدي البائد قد اندحر الى غير رجعة ... أما الذل الإسرائيلي فهو لا يزال قائما جاسماً على صدور العباد والبلاد وهذا الخطر الجاسم ليس لعتمته انقضاء إلا بدعم واضح غير مشروط، ولكن يا للأسف فإنه ممنوع على هذا المؤتمر المخصص لدعم الجيش في 5 آذار أيضا وأيضا، لأنه وباعتقادي وهذا لا يناقض خطوة المؤتمر بتقوية الجيش وكما أرجو أن أكون مخطئا بذلك الموضوع، ويتم دعم الجيش مادياً وتجهيزاً بالعتاد والعديد وتزويدا له بالسلاح الفتاك الحربي الذي يعيد للبنان توازن الرعب وأرجو للناقورة وميكانيزمها تثبيت وقف اطلاق النار وفق ال ۱۷۰۱ الذي إذا استكمل تطبيقه إلى ما بعد نهر الليطاني شمالا وغربا وشرقا، عسى يكون لوطننا لبنان الأمل بعودة ازدهاره على كل الصعد عله يعود "سويسرا الشرق" ولو بنسبة جد متواضعة، وقانا الله شر المحن والفتن في هذا الزمن المتحول بسرعة قياسية من فنزولا واليمن إلى العراق وروسيا والصين مرورا بكل الدول والأوطان المتخبطة تحت ضغط ترامب صاحب الشخصية البعيدة كلياً عن السياسة والأقرب إلى شخص يعمل في الأعمال ولا يهدف من خلال استهداف غزة وجنوب لبنان داعماً لنتنياهو وخلفه اسرائیل سوى لتكديس الدولارات.... إنني لا زلت أشك بهذا الدعم للجيش في ظل الزعم المشؤوم الذي أشار إليه مؤتمر الدعم و لا زلت أعتقد أن الدعم هذا أقله سيبقى محدود السقف ... والسلام. العميد الركن توفيق يزبك
More Posts