الانتخابات البلدية والاختيارية في لبنان: "تسونامي" حزبي ومالي في ظل غياب المواطنة!

بقلم: د. ريما داغر

في مشهد يعكس تعقيدات الواقع اللبناني أكثر مما يقدّم صورة عن حيويّة ديمقراطية فعلية، مرّت الانتخابات البلدية والاختيارية لعام 2025 بسرعة واختصار، كما بدأت، وسط التباسات لوجستيّة وأمنيّة وسياسيّة، وأصداء باهتة خلت من الحماسة المعتادة. من دون ضجيج يذكر، جرى الاستحقاق بعد تأجيل دام لسنوات، ليعيد خلط الأوراق السياسية ويطلق صفّارات الإنذار لبعض القوى التي كانت تراهن على "موت" الشارع.

في بلدٍ أنهكته الأزمات، بدت هذه الانتخابات وكأنها تمرين ديمقراطي شكليّ من جهة، واختبار تموضع حقيقي من جهة أخرى. فالحدث الانتخابي الذي شمل 1064 بلدية، جرى في ظلّ تحديات أمنية متفاقمة على وقع العدوان الإسرائيلي المستمرّ، وضمن فترة زمنيّة قصيرة للحكومة الوليدة برئاسة نواف سلام، التي نُظر إلى تنظيمها لهذا الاستحقاق كمكسب سياسيّ في ذاته.

وبالرغم من الإخفاقات اللوجستية الواضحة، خصوصاً لناحية ضعف تأهيل رؤساء الأقلام، والإرباك الإداري الواسع، بدا أن وزارة الداخلية نجحت، وفق مراقبين، في عبور الاستحقاق بأقلّ الأضرار ، بل واستطاعت الحكومة أن تكسب الرهان وتفرض تنفيذ الانتخابات، بالرغم من احتقان سياسي وطائفي بلغ ذروته.

لكن، وكما في كلّ استحقاق لبناني، تبقى الأسئلة الأهم: من ربح؟ من خسر؟ وماذا تقول هذه النتائج عن الانتخابات النيابية المنتظرة في 2026؟

المال الانتخابي... الزائر الحاضر

شهدت الانتخابات البلدية اللبنانية استمراراً لظاهرة المال الانتخابي، التي لطالما أثرت على نزاهة الديمقراطية في البلاد. وعلى رغم الجهود المبذولة لضمان شفافية الانتخابات، إلا أن المال الانتخابي بقي حاضراً بقوة، خاصة في المناطق ذات التنافس السياسي الحاد.

فقد كانت الانتخابات ساحة لتأثير المال الانتخابي بشكلٍ ملحوظ، حيث أُشير إلى أن المال كان العامل الحاسم في نتائج العديد من البلديات.

والمؤسف أن السخاء المالي الذي شهدته بعض الحملات الانتخابية لا ينعكس كالعادة، على المشاريع الإنمائية بعد الانتخابات.

الأحزاب التقليدية... العودة إلى المشهد بقوّة

بعيداً عن الإنجاز التنظيمي، تُظهر نتائج الانتخابات مشهداً سياسياً صلباً لصالح الأحزاب التقليدية. لا بل يمكن القول إنّ هذه الانتخابات شكّلت لحظة استعادة للنفَس السياسي لأغلب هذه القوى، في أعقاب انتكاسات شعبية شهدتها في السنوات الماضية، منذ انتفاضة 17 تشرين وما تلاها من صعود لما سُمّي بـ"قوى التغيير".

في بيروت، وهي المدينة التي لطالما كانت ساحةً للتجاذب السياسي، شكّل التحالف الواسع في لائحة "بيروت بتجمعنا" نموذجاً استثنائياً، جمع أطرافاً من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، من "حزب الله" إلى "القوات اللبنانية"، مروراً بالكتائب والأحباش والتيار الوطني الحر. هذا التحالف استطاع أن يحقق فوزاً ، لكنّه فتح الباب أمام تساؤلات عن جدوى التحالفات "غير الطبيعي" في مدينة ذات هوية دقيقة التوازن.

أما زحلة، فشهدت ما يشبه "تسونامي" انتخابي لصالح "القوات اللبنانية"، التي كسرت الطوق السياسي والتحالفي الذي أحاط بها، وحققت فوزاً كاسحاً في وجه ائتلاف ضم خصومها التقليديين والمفترضين. واللافت أنّ هذا الفوز لم يأتِ فقط من جمهورها الثابت، بل من قدرة تنظيمية سمحت لها بتعبئة الشارع، وتقديم خطاب انتخابي جاذب وواضح.

في جبل لبنان، احتدمت المنافسة داخل البيئة المسيحيّة، حيث تبادلت "القوات" و"التيار الوطني الحر" الانتصارات والخسارات في مدن رمزية كجونية وجبيل والجديدة، ما عكس نوعاً من الثنائية السياسية الواضحة، وأعاد رسم خطوط النفوذ التقليدي، وإن بصيغ متجددة.

أما على الساحة الدرزية، فقد حافظ "الحزب التقدمي الاشتراكي" على موقعه المتقدم، مستفيداً من تفاهم ضمني مع خصمه التقليدي "الحزب الديمقراطي اللبناني"، على رغم بعض الخروقات المحدودة في قرى محسوبة تاريخياً على المختارة.

في المقابل، لا تزال الساحة السنّية تعاني من فراغ القيادة بعد تعليق تيار "المستقبل" نشاطه السياسي، ما أنتج مشهداً مشتّتاً عبّرت عنه نسب اقتراع متدنيّة، ونتائج انتخابية غير حاسمة، باستثناء بعض الاختراقات التي سجلها النائب فؤاد مخزومي وجمعية المشاريع الخيرية الإسلامية.

انتخابات الشمال: نسبة مشاركة متوسطة ومعارك انتخابية حاميّة

في طرابلس، التي سُجّلت واحدة من أبرز المعارك الانتخابية، حيث تنافست ثلاث لوائح أساسية على 24 مقعداً، مع خروقات متبادلة بينها.

أما في زغرتا، فقد أثبتت القوى التقليدية حضورها الواسع، لا سيّما في مواجهة داخلية بين التيارات المسيحيّة، كما شهدت أقضية عكار وزغرتا والكورة تنافساً بين تحالفات متعددة ضمّت أحزاباً تقليدية وقوى محلية، مع تسجيل اختراقات لافتة في بعض البلدات.

في القرى السنيّة بعكار، أدّى غياب بعض القوى السياسية الكبرى إلى احتدام المنافسات المحلية بين العائلات والنواب، فيما شهدت مناطق مسيحيّة أخرى معارك بين تحالفات ذات طابع سياسي واضح، دون أن تغيب الحسابات المحلية عنها.

سُجّل أيضاً تفاوت في نسب المشاركة يعود جزئياً إلى فوز 95 بلدية بالتزكية، منها 51 في عكار، وهو ما أثر على نسبة المقترعين الفعلية. كما ظهرت تحديات على مستوى التنظيم، وسط تقصير رسمي في تدريب المندوبين وتثقيف الناخبين، إضافة إلى غياب البلديات في عدد من القرى الصغيرة.

عرفت بعض بلدات البترون، تحالفاً ثلاثيّاً ضمّ حزب "الكتائب اللبنانية" و"القوات اللبنانية" ومجد حرب (نجل النائب السابق بطرس حرب)، وهو تحالف أعاد إلى الأذهان تموضعات قوى "14 آذار". وقد سعى هذا التحالف إلى تقديم نفسه كقوة موحدة في مواجهة خصومه التقليديين، ولا سيّما "التيار الوطني الحر" وحلفائه.

نجح هذا التحالف ولكنّه لم يُترجم فعلياً في كل بلدات القضاء، ما يدل على أن الطابع المحلي لا تزال له الكلمة الفصل في المعارك البلدية، حيث تتقدّم الاعتبارات العائلية والمصلحية على الانقسامات السياسية التقليدية.

ولكن الثابت في البترون، هو استمرار حضور القوى السياسيّة الأساسيّة من كلا المحورين، وإن بتفاوت في الحجم من بلدة إلى أخرى. أما المتغير، فهو قابلية هذه القوى على التحالف أو التراجع بحسب ميزان القوى المحلي، وهو ما يجعل من الانتخابات البلدية مرآة دقيقة لواقع اجتماعي متحرّك أكثر منه سياسي جامد.

الثنائي الشيعي: تزكية تثبيت النفوذ

في الجنوب والضاحية والبقاع، ساد نهج "التزكية" كتعبيرٍ عن وحدة الصف داخل الثنائي الشيعي، مع تفادي المعارك الداخلية، والتأكيد على الامتداد الشعبي والسياسي لتحالف "حزب الله" و"حركة أمل". وقد بلغت عدد البلديات التي فازت بالتزكية نحو 95 بلدية، في مشهد يُقصد منه إظهار الاستقرار والتماسك، لا سيما على خلفية التصعيد الإسرائيلي والاضطرابات الإقليمية.

وفي رسائل انتخابية واضحة، عبّر الشارع الشيعي عن تمسّكه بمحوره السياسي والعسكري، إذ لم تسجَّل اختراقات تُذكر في القرى والبلدات الأساسيّة، باستثناء بعض المحاولات الهامشية للتغيير.

المجتمع المدني وقوى التغيير: الخسارة الكبرى

في بيروت كما في سائر المناطق، بدت قوى "التغيير" ومجموعات المجتمع المدني في موقع دفاعي هش. فشل لائحة "بيروت مدينتي" في تحقيق أي اختراق يُذكَر أعاد طرح علامات استفهام كبرى حول مصير "الظاهرة التغييرية"، التي كانت قبل سنوات فقط تُمثّل أملاً بالخروج من جمود الاستقطاب الطائفي والحزبي.

ويبدو أن تجربة نواب التغيير في البرلمان منذ 2022، والتي شابها خلافات داخلية وعجز عن إنتاج تشريعات أو مواقف موحدة، تركت أثراً سلبياً على جمهورها، ما تسبّب بخيبة أمل وانكفاء شعبي. 

بين البلدي والنيابي: قراءة في دلالات الأرقام

على الرغم من اختلاف النظامين البلدي والنيابي من حيث الصلاحيات والتحالفات، فإنّ ما جرى يمكن أن يُعدّ "بروفة سياسية" لما ينتظر لبنان في ربيع 2026. من الواضح أن الأحزاب التقليدية باتت أكثر تنظيماً، وأشدّ حضوراً في الشارع، بعد أن استوعبت صدمة "17 تشرين"، وصحّحت بعض اختلالاتها البنيوية.

لكن الأكيد أن الانتخابات المقبلة لن تكون مجرّد تكرار لنتائج 2025، إذ إنّ التحالفات الهجينة التي أنتجتها اللوائح البلدية قد لا تصمد في معركة نيابية أكثر حدة واستقطاباً. فـ"بيروت بتجمعنا"، مثلاً، لن تكون لائحة واحدة في أي دائرة نيابيّة. والكتلة الشعبية التي خاضت مع "القوات" معركة قاسية في زحلة، قد تجد نفسها شريكة في تحالفات لوائح معها، أو ضدها.

خلاصة أوليّة: كلهم "رابحون"؟!

في لبنان، كما هي العادة، الكلّ يُعلن فوزه. لكن الحقائق على الأرض تُشير إلى مكاسب وخسائر متفاوتة، تعيد رسم ملامح التوازن السياسي. وإذا كانت الأحزاب التقليدية قد استرجعت بعض من قوتها، فإنّ قوى التغيير مطالبة اليوم، وبإلحاح، بإجراء مراجعة قاسية لتجربتها، وإلّا فإنّ الانتخابات النيابية المقبلة ستكون بمثابة ضربة قاضية لمشروعها.

وفي الانتظار، يبدو أنّ "النبض الشعبي" لا يزال حائراً، والمال الانتخابي لا يزال نشطاً، بينما بقيت دعوات "المواطنة" والتغيير أسيرة الانقسامات والتنظير، في بلدٍ لا يزال بحاجة إلى عملٍ دؤوب لإعادة هيكليّته واسترجاع هويّته والتمتّع بسيادته! 

29 May 2025 | بقلم: د. ريما داغر

مقالات | ARTICLES

By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c June 10, 2026
العائلة المشعوذة – الحلقة الثالثة عشرة: طباع الشاندالا
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c June 7, 2026
القبيحة صاحبة القوس - الحلقة الأولى
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c May 28, 2026
العائلة المشعوذة - الحلقة الثانية عشرة بعنوان: الفكحاء العرجاء
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c May 28, 2026
الوجه الآخر للبترون: حينما يختبئ الليل خلف أضواء السياحة
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c May 28, 2026
لبنان: ضحية الجغرافيا والتسويات الإقليمية المتكررة
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c May 25, 2026
عيد التحرير والمقاومة في لبنان تحرير الأرض وصمود الشعب
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c May 24, 2026
من "العونية" إلى "الباسبلية": تسمية تحمل خلفيات
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c May 23, 2026
البطريرك الطوباوي الياس الحويك: من ربوع البترون الغنّاء إلى صروح المحافل الدولية
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c May 18, 2026
العائلة المشعوذة - الحلقة الحادية عشرة بعنوان "الشمطاء الشوهاء"
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c May 17, 2026
تأثير إقفال شركات الترابة في منطقة البترون واحتكار سبلين للإنتاج على غلاء أسعار الإسمنت
More Posts