تأثير إقفال شركات الترابة في منطقة البترون واحتكار سبلين للإنتاج على غلاء أسعار الإسمنت

شكّل إقفال معامل الترابة في شكا والهري ولا سيما معامل السبع وهولسيم؛ نقطة تحوّل خطيرة في سوق الإسمنت اللبناني. فمع توقف هذه المعامل عن الإنتاج نتيجة أزمات التراخيص والمقالع والخلافات البيئية، بقيت سبلين تقريباً المنتج الوحيد القادر على تغذية السوق المحلية، ما فتح الباب أمام احتكار فعلي انعكس مباشرة على أسعار الإسمنت وعلى قطاع البناء بأكمله.
لقد كانت منطقة شكا لعقود القلب الصناعي لصناعة الترابة في لبنان، حيث شكّلت المنافسة بين الشركات الثلاث نوعاً من التوازن النسبي في السوق، رغم الانتقادات الكثيرة التي وُجّهت إليها بسبب الأضرار البيئية والاحتكار غير المباشر. لكن مع توقف هولسيم والسبع عن العمل في مراحل مختلفة بسبب انتهاء مهَل المقالع ومنع استخراج المواد الأولية، أصبح السوق اللبناني شبه معتمد على إنتاج سبلين وحدها.
هذا الواقع أدى إلى اختلال كبير بين العرض والطلب. فحينما ينخفض الإنتاج المحلي إلى الحد الأدنى، ترتفع الأسعار تلقائياً، خصوصاً في بلد يفرض قيوداً ورسومًا مرتفعة على استيراد الإسمنت، ما يمنع خلق منافسة خارجية حقيقية. وقد تحدثت تقارير اقتصادية عن أن لبنان أصبح من الدول الأعلى سعراً للإسمنت مقارنة بدول المنطقة، نتيجة سيطرة عدد محدود من الشركات على السوق لعقود طويلة.
ومع تراجع الإنتاج في شكا والهري؛ نشأت سوق سوداء واسعة للإسمنت. فقد اشتكى أصحاب الورش والبناء من أن الأسعار قفزت بشكل جنوني، حيث كان طن الترابة يُباع بأضعاف السعر الرسمي بسبب الاحتكار والتخزين والمضاربات. كما أشارت بيانات صادرة عن تجمعات مهنية إلى أن التجار استغلوا توقف المعامل لفرض أسعار خيالية على المواطنين والمقاولين.
الأزمة لم تكن اقتصادية فقط، بل اجتماعية أيضاً. فارتفاع أسعار الإسمنت انعكس مباشرة على أسعار الشقق والبناء والترميم، وأصاب قطاع الإنشاءات بحالة شلل جزئي، في وقت يعاني فيه اللبنانيون أصلاً من انهيار اقتصادي حاد. كما أن إقفال معامل منطقة البترون أدى إلى خسارة مئات فرص العمل المباشرة وغير المباشرة في الشمال، ما زاد من معاناة المنطقة اقتصادياً.
في المقابل، يرى كثيرون أن المشكلة الأساسية ليست فقط في توقف المصانع، بل في غياب سياسة صناعية عادلة تضمن المنافسة الحقيقية. فالدولة اللبنانية، بدل أن تنظم القطاع وتفتح باب الاستيراد المنضبط أو تسمح بإنشاء معامل جديدة وفق شروط بيئية صارمة، أبقت السوق أسيرة عدد محدود من الشركات التي تحكمت بالإنتاج والأسعار لعقود. وقد أشارت تقارير صحافية إلى أن الرسوم الجمركية العالية ومنع الاستيراد شكّلا غطاءً لحماية هذا الاحتكار.
إن تجربة إقفال هولسيم والسبع أظهرت هشاشة السوق اللبنانية، حيث يكفي توقف معملين فقط حتى يدخل البلد في أزمة إسمنت حقيقية. وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً: هل المطلوب حماية البيئة فقط، أم حماية البيئة والاقتصاد معاً عبر إيجاد بدائل إنتاجية عادلة ومستدامة تمنع الاحتكار وتحافظ على حقوق المواطنين؟
اليوم، وبين ضرورات البيئة وضرورات الاقتصاد، يبقى المواطن اللبناني هو الخاسر الأكبر، يدفع ثمن الاحتكار مرة، وثمن غياب القرلرات الصائبة مرات عديدة.
ربيع داغر
مقالات | ARTICLES







