الأب أسعد فضّول... الإيمانُ القويمُ يُعاش عملًا صالحًا

وُلد الأب أسعد فضّول عام 1969 في وطى حوب - تنورين، وحمل منذ نعومة أظفاره اهتمامًا يتجاوز الإطار التقليدي للحياة الدينيّة، فإلى جانب تكوينه الروحي، انفتح على الفنّ والموسيقى، وتخصّص في الموسيقى وعزف على آلة العود، ليجمع في داخله بين الحسّ الفنّي والاهتمام بالإنسان والحياة العامّة بالإضافة إلى التعلّق الدائم بالطبيعة.

هذا التنوّع في شخصيّته رافق مسيرته لاحقًا، وجعل منه رجل دين قريبًا من الواقع، فهو لا ينظر إلى الإنسان من زاوية روحيّة فحسب، بل ويلتفت أيضًا إلى حاجاته اليوميّة، وإلى أهميّة الأرض المغروسة والعمل الصالح والإنتاج المثمر والعيش الكريم.

في عام 1990، دخل الأب أسعد فضّول دير كفيفان مترهّبًا، لتبدأ مرحلة جديدة في حياته، انتقل فيها من الاهتمامات الفنّيّة والثقافيّة إلى مسيرة الحياة الرهبانيّة، التي تُوّجت برسمه كاهنًا عام 1998.

ومنذ ذلك الحين، ارتبطت حياته بخدمة الكنيسة والدير والناس، وتولّى عددًا من المسؤوليات الرعويّة والإداريّة، من بينها رئاسة دير حوبل سابقًا، ورئاسة أنطش البترون، ورئاسة دير مار يعقوب الحصن في بشتودار – دوما.

وقد جعلته هذه المسؤوليّات على تماسّ مباشر مع الناس ومع تفاصيل حياتهم اليوميّة، فكان يرى عن قرب حاجاتهم ومشكلاتهم، الأمر الذي عزّز لديه القناعة بأنّ رسالة رجل الدين لا تنحصر في الوعظ والصلاة، بل يمكن أن تمتدّ إلى العمل الإنمائي والاجتماعي وإحياء الأرض واستثمار المكان.

من هنا تشكّلت لديه رؤية خاصّة للحياة الرهبانيّة. فهو يؤمن بأنّ للدير رسالته الروحيّة الأساسيّة، لكنّ هذه الرسالة لا تتناقض، من وجهة نظره، مع العمل والإنتاج وخدمة الإنسان.

ومن هنا يقوم نهجه على فكرة المنفعة المزدوجة: أن يستفيد الدير، وأن يستفيد الناس في الوقت نفسه، من خلال استثمار الإمكانات المتاحة وإطلاق المشاريع والإنتاج، ضمن مبدأ تجاري أخلاقي يقوم على الربح المشروع، ولكن بعيدًا عن الربح الفاحش والاستغلال.

فالعمل، بالنسبة إليه، ليس غايةً بحدّ ذاته، ولا التجارة وسيلةً لتحقيق الربح فقط، بل كلاهما يمكن أن يكون أداةً للاستمراريّة، وخلق فرص العمل، وإحياء الأرض، وخدمة المجتمع.

ومن هنا تكتسب عبارته: «الإيمان من دون أعمال باطل»، معناها الحقيقي في مسيرته. فالإيمان عنده لا يكتمل بالتعبير فقط، بل يحتاج إلى فعل ومبادرة وعطاء، وإلى أن يترك أثرًا ملموسًا في حياة الناس.

وفي خضمّ هذا المسار العمليً الزاخم؛ كان من الطبيعي، في ضوء هذه الرؤية، أن تحتلّ الزراعة موقعًا أساسيًا في اهتماماته. فقد عمل على استثمار الأرض وزراعتها. فقد غرس نحو 600 شجرة أفوكا، إلى جانب أشجار مثمرة أخرى، كما حفر بئرًا ارتوازيًّا لتأمين المياه اللازمة. كلً ذلك في الأرض المملوكة والمجاورة لدير الأنطش بالبترون.

فبالنسبة إلى الأب أسعد، ليست الأرض مجرّد مساحة جغرافيّة، بل ثروة ينبغي إحياؤها واستثمارها. فالزراعة تستطيع أن تؤمّن فرصًا للعمل، وأن تخلق مصدرًا للرزق، وأن تدخل في دورة اقتصاديّة منتجة، بدل أن تبقى الأراضي مهملةً أو غير مستثمرة.

وهنا يظهر بوضوح الجانب العملي من إيمانه: الأرض تُزرع، والفكرة تُنفّذ، والمشروع يجب أن تكون له فائدة تتجاوز صاحبه إلى محيطه.

إلى ذلك: فمن أبرز المحطّات العمليّة في مسيرته، كان العمل على ترميم أنطش مار يعقوب الحصن – البترون بين عامَي 2013 و2016، بعدما كان المكان قد وصل إلى حالة يُرثى لها.

ولم يقتصر العمل على الأنطش نفسه، بل شمل أيضًا ترميم البيت المجاور وتأهيله ليصبح صالحًا للسكن.

وهكذا لم يكن الترميم بالنسبة إليه مجرّد عمليّة عمرانيّة، بل كان إعادة إحياء لمكان يحمل ذاكرةً دينيّةً واجتماعيّة، وحفاظًا عليه وإعادته إلى دائرة الحياة والاستفادة.

فالمكان، كما الأرض، لا قيمة له إذا بقي مهملًا؛ وقيمته الحقيقيّة تظهر عندما يُحافظ عليه ويُستثمر بطريقة تخدم الإنسان وتحترم تاريخه وهويّته.

ولا تتوقّف رؤية الأب أسعد فضًول عند الزراعة والترميم، بل تمتدّ إلى مشروع تنموي أوسع، يتمثّل في التفكير بإنشاء مدينة صناعيّة من الفئة الثالثة ضمن أراضي الأنطش، تكون مخصّصةً للحِرف والأعمال اليدويّة والصناعات الصغيرة والمبادرات الفرديّة.

وتقوم الفكرة على إقامة هذه المنطقة كحزام على طرف الأرض المحيطة بالدير، بحيث تستوعب الأعمال الحِرفيّة والصغيرة، وتتيح للناس فرصًا للعمل والإنتاج، من دون أن تتحوّل إلى مشروع يطغى على طبيعة المكان أو يلغي وظيفته الأساسيّة.

وإذا كُتب لهذا المشروع أن يرى النور، فإنّه سوف يجسّد بصورة واضحة فلسفة الأب أسعد القائمة على الجمع بين مصلحة الدير ومصلحة الناس: الدير يستفيد من استثمار الأرض بطريقة منتجة، والناس يستفيدون من فرص العمل ومن مساحة تسمح لهم بممارسة الحِرف والأعمال الصغيرة.

لكن ووراء هذه المشاريع كلّها منظومة من المبادئ التي تشكّل الأساس الفكري والروحي لمسيرته.

فهو يؤمن بأنّ الربح مشروع عندما يكون ناتجًا عن عمل حقيقي، لكنّه يرفض أن يتحوّل إلى استغلال أو جشع. ويؤمن بأنّ خدمة الناس لا تعني فقط مساعدتهم بصورة مباشرة، بل يمكن أن تكون أيضًا عبر تأمين فرصة عمل، أو إحياء أرض، أو إطلاق مشروع، أو الحفاظ على مكان، أو فتح باب أمام إنسان يريد أن يعمل ويعتمد على نفسه.

ولهذا يرتبط عنده العمل بمبدأ أخلاقي واضح: أن تكون المنفعة متبادلة، وأن تبقى كرامة الإنسان في صلب أيّ مشروع.

وهذا المعنى يلتقي مع مبدأ آخر يؤمن به: «افعلوا بالناس ما تحبّون أن يفعلوه بكم»؛ أي أن يكون التعامل مع الآخرين قائمًا على العدالة والاحترام، وأن لا يكون نجاح الإنسان على حساب كرامة غيره أو حقّه في العيش.

ولعلّ أكثر العبارات التي تختصر الجانب الإنساني في شخصيّة الأب أسعد فضًول، قوله: «أحبب، وافعل ما تشاء».

فالمحبّة عنده ليست مجرّد عاطفة أو كلمة دينيّة، بل قاعدة للفعل. وحين تكون المحبّة أساس العمل، يصبح المشروع وسيلةً لخدمة الإنسان، ويصبح النجاح الحقيقي في مقدار المنفعة التي يتركها في حياة الآخرين.

ومن هنا يمكن فهم انتقاله من الموسيقى والعود إلى الرهبنة، ومن الخدمة الكنسيّة إلى المسؤوليات الإداريّة، ومن ترميم الأماكن القديمة إلى زراعة الأرض، ومن المشاريع الزراعيّة إلى التفكير في منطقة صناعيّة للحِرف والأعمال الصغيرة.

إنّها مسيرة تقوم على فكرة واحدة: أنّ الإيمان لا ينبغي أن يبقى فكرةً داخليّة، بل يجب أن يتحوّل إلى فعل.

في المحصّلة، تبدو شخصيّة الأب أسعد فضّول مختلفةً عن الصورة التقليديّة لرجل الدين المنفصل عن تفاصيل الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة.

هو رجل دين نعم، لكنّه يرى أنّ الروحانيّة لا تتعارض مع العمل، وأنّ الدير يمكن أن يكون مكانًا للصلاة، وفي الوقت نفسه مساحةً للإنتاج والخدمة، وأنّ الأرض يمكن أن تكون موردًا اقتصاديًّا، والمشروع يمكن أن يكون بابًا للرزق، والترميم يمكن أن يكون فعلًا من أفعال حفظ الذاكرة وإعادة الحياة إلى المكان.

ولذلك تختصر عبارة «الإيمان من دون أعمال باطل» جانبًا كبيرًا من فلسفته ومسيرته.

أمّا شعاره الآخر: «أحبب، وافعل ما تشاء»، فيمنح هذه الرؤية بعدها الإنساني والأخلاقي.

وبين الإيمان والعمل، وبين المحبّة والمبادرة، يحاول الأب أسعد فضّول أن يجعل من رسالته الرهبانيّة فعلًا حيًّا في الأرض: يزرع حيث يمكن أن تُزرع الأرض، يرمّم حيث يمكن إنقاذ المكان، ويخطّط حيث يمكن خلق فرصة، ويؤمن بأنّ أفضل ترجمة للإيمان هي عمل صالح يترك أثرًا في حياة الإنسان.

مقالات | ARTICLES

By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c August 27, 2026
بطرس حرب: السّياسيّ الشّريف
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c August 14, 2026
غسّان... ذلك الذي ترك غيابه فراغًا لا يُملأ
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c August 12, 2026
غسّان عازار... الصحافي المخضرم الذي جعل من المهنة مدرسةّ ومن البترون منبراً
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c August 1, 2026
العائلة المشعوذة – الحلقة السادسة عشرة بعنوان "الصرماية العتيقة"
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c July 28, 2026
ناجي البستاني... محامٍ لم تنل منه المدينة ولم تُبعده المهنة عن جذوره
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c July 18, 2026
العائلة المشعوذة الحلقة الخامسة عشرة: مجالس بلا أمانات
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c July 16, 2026
تفاهمات روما تبلور الوضعيًة المستقبليًة لحزب الله
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c July 7, 2026
العائلة المشعوذة – الحلقة الرابعة عشرة: عقلية الزبًال
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c June 29, 2026
البترون بين رحيل النازحين وإلغاء المهرجانات... اقتصاد يبحث عن نبض جديد
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c June 21, 2026
ذكرى عيد الأب في ظل ابتعاد الأبناء: حين يصبح الغياب سكناً والحزن رفيقاً دائماً
More Posts