العائلة المشعوذة – الحلقة السابعة

بعنوان: الشر المستطير يشمل أبناء الإخوة والأخوات
في هذه الحلقة، يتسع نطاق الشر ليخرج من حدود الأسرة الصغيرة إلى دائرة الأقارب، حيث يكشف الزوجان المشعوذان عن وجهٍ أكثر قسوة ودهاء. لم يعد هدفهما السيطرة على من هم تحت سقفهما فقط، بل امتدت أيديهما لتطال أبناء الإخوة والأخوات، أولئك الشبان الذين يقفون على عتبة الحياة، حالمين بمستقبل أفضل، فإذا بهم يُدفعون إلى هاوية لا قرار لها.
بأسلوبٍ ماكر، يبدأ المشعوذ وزوجته بزرع أفكار خادعة في عقول هؤلاء الشبان. يزينان لهم ترك التعليم، ويصوّران العمل التقليدي وكأنه عبودية لا تليق بهم، ويغرسون في نفوسهم وهم “الفرصة السهلة” التي لا تحتاج إلى تعب أو صبر. وهكذا، شيئاً فشيئاً، ينفصل الشبان عن مسارهم الطبيعي، ويقعون في المصيدة.
تكون البداية عبر إدخالهم إلى عالم الموبيليا والأنتيكا، ذلك العالم الذي يبدو من الخارج مربحاً ومغرياً، لكنه في الحقيقة مليء بالتقلبات والمخاطر. يُدفع هؤلاء المغرر بهم إلى خوض تجارة لا يملكون أدنى خبرة فيها، فيُستهلكون في أعما كالدوامات، ويطاردون أرباحاً سرعان ما تتحول إلى خسائر وركود. ومع مرور الوقت، يضيع ربيع أعمارهم في وهمٍ لا يتحقق.
ومع تضاؤل الخيارات، يجد هؤلاء الشبان أنفسهم أسرى هذا المسار، لا يعرفون سواه. تتكرر الخسائر، ويشتد الفقر، حتى يصلوا إلى مرحلة يضطرون فيها لبيع ممتلكاتهم الموروثة، آخر ما تبقى لهم من أمان واستقرار. وهنا، يظهر الوجه الحقيقي للمشعوذ وزوجته.
يتدخل الزوجان، ومعهما لاحقاً الابنة المشعوذة الغيداء، ليفرضوا شروطهم. فتحت غطاء القربى وذريعة “شفعة الأرض”، يحددون الأسعار كما يشاؤون، مستغلين حاجة البائع وضعفه. وإذا لم يتم البيع، يلجأون إلى حيلة أخرى: إقناع الضحية باستثمار جديد في الأنتيكا، يعدونه فيه بأرباح كبيرة، لكن نهايته تكون دائماً خسارة كاسحة، تقضي على ما تبقى من أمل.
فتشاهد أحد هؤلاء الضحايا قد فقد عائلته وأصبح سكيرا. وآخر تورط في شيكات بلا رصيد دون أن يعلم فهرب وأطال الهروب؛ وآخر إنزلق إلى أعمال خطيرة عله يعيل عائلته فأصبحت الشكاوى تطارده.
هكذا يحل الخراب حيثما تتدخل العائلة المشعوذة أو حتى تهمس أو تلمس.
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c April 15, 2026
الحلقة الأولى: وجوهٌ تُرحّب... وقلوبٌ تُخطّط لم تكن “العائلة المسالمة” كما يُخيَّل لمن يسمع باسمها. ففي ذاك المنزل الهادئ، حيث تُفتح الأبواب بابتسامة دافئة، وتُقدَّم القهوة مع كلمات الترحيب، كانت هناك لعبة خفية تُدار بإتقان… لعبة لا يراها إلا من وقع فيها. الزوج، رجل بملامح هادئة وصوت منخفض، كان يُجيد فن الإقناع كما يُجيد التنفس. يُعرّف عن نفسه بأنه صريح، لا يعرف الكذب، ويكره الالتواء. لكن صراحته لم تكن سوى قناعٍ شفاف يخفي خلفه مهارة عالية في توجيه الحديث، وسحب خيوط الحوار دون أن يشعر الطرف الآخر. أما الزوجة، فكانت أكثر دهاءً. تظهر بمظهر المرأة غيرة زوجها عليها، تتدخل في اللحظات المناسبة، تراقب الضيف بعينين لا تنامان، وتلقي عبارات توحي بالخطر إن اقترب أكثر مما ينبغي… لكنها في الحقيقة كانت تُكمل الدور، لا تعيقه. كانا يعملان كفريقٍ متكامل. هو يفتح الباب… وهي تُغلق الدائرة. لم يكن كل الناس يُدعون إلى ذلك البيت. الفقراء، البسطاء، أو أولئك الذين لا يُنتظر منهم نفع… كانوا خارج الحسابات. أما الضيوف “المناسبون”، أولئك الذين يملكون المال أو النفوذ أو حتى مجرد السذاجة المغرية، فكانوا يُستقبلون وكأنهم ضيوف شرف في مسرحية معدّة بعناية. في البداية، كل شيء يبدو طبيعيًا. ضحكات، قصص، اهتمام مبالغ فيه أحيانًا… ثم يبدأ الزوج بسرد حكاياته عن الصدق، عن الخيانة التي تعرض لها، عن قسوته على نفسه لأنه لا يعرف المجاملة. وهنا يأتي دور الزوجة. تقاطعه بنبرة حادة: “هو هكذا… لا يعرف الكذب، حتى لو خسر كل شيء”. تلك الجملة، كانت المفتاح. تُزرع في عقل الضيف كحقيقة مطلقة، فيبدأ تدريجيًا بفقدان قدرته على الشك. ومع مرور الوقت، يصبح الجو أكثر حميمية… أكثر قربًا. الضيف لم يعد ضيفًا، بل “صديقًا”. ثم “مقربًا”. ثم… شيئًا بين الإثنين، لا يعرف كيف وصل إليه. في تلك اللحظة بالذات، يكون قد دخل الدائرة. دائرة لا يُسمع فيها إلا صوتهم، ولا يُرى فيها إلا ما يريدون. وهنا… تبدأ الطلبات. طلبات صغيرة في البداية. مساعدة بسيطة. رأي. خدمة. ثم تكبر… دون أن يشعر. فهذا الضيف، الذي جاء بكامل وعيه، يصبح كأنه خرج من ذاته. كأن عقله قد غُسل بهدوء، دون صدمة، دون مقاومة. يُطيع، يُبرر بل ويدافع عنهم أحيانًا… وهو لا يدرك أنه لم يعد كما كان. وفي نهاية كل زيارة، يخرج وهو يشعر بشيء غريب… راحة ممزوجة بثقل، ثقة ممزوجة بشك، لكنّه لا يجد تفسيرًا. أما داخل المنزل، فتُغلق الأبواب، وتتبادل العائلة المسالمة نظرات صامتة: لقد نجحت الجولة الأولى.
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c April 12, 2026
في هذه الحلقة، يتكشّف الوجه الأكثر قسوةً وابتذالاً في شخصية ربّ العائلة المشعوذة؛ ذاك الرجل الذي لم يعرف يوماً معنى الاكتفاء، ولم يختبر شعور الشبع من المال المنهوب، ولا حتى من إذلال الآخرين. كان الطمع فيه أشبه بنهرٍ هائج، لا يجفّ، ولا يهدأ، ولا يرتوي مهما ابتلع من ضفاف. لم يكن هذا الطمع وليد اللحظة، بل كان سمةً متجذّرة في أعماقه، تتغذّى من عقدٍ دفينة وشعورٍ دائم بالنقص والدونية، فيحاول تعويضه عبر التسلّط والنهب المقنّع. ومن أكثر فصول هذا الطمع سواداً، تلك الحكاية التي جمعت بينه وبين شقيقة زوجته، المرأة الميسورة التي وثقت به، فكان هو أوّل من طعن تلك الثقة. بدأت القصة بوجهٍ زائف من التودّد. زيارات متكرّرة، كلمات معسولة، ووعود بمشاريع وهمية تُدرّ أرباحاً خيالية. كان يتقن لعبة الإقناع حدّ الكمال، فينسج الأكاذيب كما ينسج العنكبوت خيوطه، دقيقةً ومتماسكة، لكنها قاتلة. ومع كل لقاء، كانت تلك المرأة تنزلق أكثر في فخّه، تدفع الأموال تلو الأموال، مدفوعةً بالأمل تارةً، وبالحرج العائلي تارةً أخرى. ولم يكتفِ بالتوسّل والترغيب، بل لجأ إلى أساليب أكثر خبثاً؛ استدرار العطف عبر قصصٍ مختلقة عن ضائقاتٍ مالية، وعن “فرص” إن لم تُغتنم تضيع إلى الأبد. كان يمارس نوعاً من الابتزاز العاطفي المقنّع، يخلط فيه بين القربى والشفقة والطمع، حتى فقدت الضحية القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم. وفي موازاة ذلك، لم تسلم زوجته من بطشه واستغلاله. فقد حوّلها إلى أداةٍ في مشاريعه القذرة، يضغط عليها لتكون الواجهة الناعمة التي تُمرّر من خلالها مخططاته. كان يُحرجها، يفرض عليها الصمت، ويجعلها شريكةً قسرية في عملياته، حتى باتت تعيش ازدواجية قاسية بين خضوعها له واحتقارها لما يجري. أما الوجه الأخطر في طمعه فكان تجارته المشبوهة بالقطع الأثرية وإلزام أقاربه بالشراء منه تحت حجج مختلفة؛ فكان يواظب على بيع أخوي زوجته الإثنين عشرات القطع بأضعاف أثمانها. لم تكن هذه التجارة سوى امتدادٍ لجشعه، حيث كان يستغل العلاقات العائلية وأواصر القربى للحصول على أرباح؛ في مشهدٍ يعكس إلى أي حدّ انحدر في سلّم الأخلاق. لم يكن المال بالنسبة له وسيلة عيش، بل كان غايةً بحدّ ذاته، هوساً يلتهم كل ما حوله: علاقاته، أسرته، وحتى إنسانيته. وكلما ازداد ماله، ازداد فقره الداخلي، كمن يشرب من ماء البحر، يزداد عطشاً كلما ارتوى. وفي نهاية هذه الحلقة، لا يبدو أن لهذا الطمع نهاية قريبة. بل على العكس، كل المؤشرات تدلّ على أن سقوطه – إن حدث – سيكون مدوّياً، لأن من يبني حياته على الخداع والسلب، لا بدّ أن تأتي لحظة يُسلب فيها كل شيء. إنها حكاية رجلٍ لم يعرف حدّاً لنفسه، فابتلعته رغباته، وتحول من إنسانٍ إلى ظلٍّ جشع، لا يرى في الآخرين سوى فرصٍ للنهب، ولا في الحياة سوى ساحةٍ مفتوحة للطمع الذي… لا يشبع.
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c April 7, 2026
لم يكن قضاء البترون بمنأى عن تداعيات الحرب الأخيرة، إذ انعكست موجات النزوح الداخلي بشكل مباشر على واقعه الاقتصادي، محدثةً تحولات ملحوظة في أنماط الاستهلاك والحركة التجارية. وبينما شهدت بعض القطاعات انتعاشًا ملحوظًا بفعل الطلب المتزايد على الحاجات الأساسية، عانت قطاعات أخرى من تراجع حاد نتيجة الصدمة النفسية وتقييد حركة التنقل بين المناطق. في مقدمة القطاعات المستفيدة، برزت محال السوبرماركت التي سجلت نشاطًا غير مسبوق، مدفوعة بارتفاع إقبال المقيمين والنازحين على حد سواء. فقد تحوّلت هذه المحال إلى نقطة ارتكاز يومية لتأمين الاحتياجات الغذائية الأساسية، في ظل حالة من القلق دفعت الأسر إلى تخزين المواد الغذائية بشكل أكبر من المعتاد. كما شهدت محال الخضار والفواكه حركة نشطة، خصوصًا مع ازدياد الاعتماد على الطهو المنزلي بدلًا من تناول الطعام في الخارج. وينطبق الأمر ذاته على الأفران التي كثّفت إنتاجها لتلبية الطلب المتزايد على الخبز والمناقيش، باعتبارها من السلع الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها في الظروف الصعبة. ولم يقتصر النشاط على المواد الغذائية فقط، بل امتدّ أيضًا إلى بعض محال الألبسة، ولا سيما تلك التي توفّر الملابس بأسعار مقبولة، إذ احتاج العديد من النازحين إلى تأمين مستلزمات جديدة بعد مغادرتهم منازلهم على عجل، غالبًا دون القدرة على اصطحاب مقتنياتهم الشخصية. في المقابل، تكبّدت المطاعم والمقاهي وأماكن الترفيه خسائر واضحة، حيث تراجعت الحركة فيها بشكل كبير. ويُعزى ذلك إلى عاملين أساسيين: الأول هو الصدمة النفسية التي خلّفتها الحرب، والتي حدّت من رغبة الناس في الإنفاق على الترفيه، والثاني هو صعوبة التنقل بين المناطق نتيجة الظروف الأمنية، ما قلّص من عدد الزبائن، خصوصًا القادمين من خارج القضاء. إن هذه التحولات تعكس نمطًا اقتصاديًا طارئًا يفرضه واقع الأزمات، حيث تتقدّم الأولويات المعيشية على سواها، وتتراجع الأنشطة المرتبطة بالرفاهية. ومع استمرار حالة عدم الاستقرار، يبقى الاقتصاد المحلي في قضاء البترون رهينة التوازن الدقيق بين الحاجات الأساسية للسكان والقدرة على استعادة دورة الحياة الطبيعية في مختلف قطاعاته.
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c April 4, 2026
لم يكن دخولها إلى بيت المشعوذ يوماً عادياً، بل كان بداية سقوطٍ بطيء لا يُسمع له صوت. دخلت بلا زفّة، بلا فرح، بلا حتى نظرة تقدير. كأنها لم تكن عروساً، بل غنيمةً أُحضرت إلى مكانٍ لا روح فيه. فمنذ اللحظة الأولى، شعرت بأن الأرض التي تمشي عليها ليست أرضاً، بل فخٌّ واسع. في الأيام الأولى، بدأ الإذلال ينهال عليها كالسوط. كلماتٌ قاسية تُقال أمام أهلها، نظرات احتقار تُلقى عليها دون سبب. كان المشعوذ يجرّدها من كرامتها قطعةً قطعة، وكأنه يستمتع برؤية انكسارها. لم يكن يضربها فقط، بل كان يحطم داخلها من كل ما يجعلها إنسانة. ومع مرور الوقت، لم يعد يكتفي بإذلالها أمام أهلها، بل أمام أولادها أيضاً. جعلهم يرون أمهم ضعيفة، خاضعة، بلا صوت. كانت تلك أقسى الضربات… أن ترى نظرات الخوف في عيونهم، ونظرات الاحتقار التي زرعها فيهم تجاهها. تعذيبها لم يكن جسدياً فقط… بل نفسياً، يومياً، متواصلاً. حرمان، تهديد، تحقير، وإشعار دائم بأنها لا تساوي شيئاً. حتى جاء اليوم… الذي انكسرت فيه بالكامل. في ذلك الحين لم تعد تقاوم. لم تعد تعترض ولم تعد تفكر بالهرب حتى. استسلمت. وهنا… تغيّرت. تحولت من ضحية إلى شريكة؛ فقد تجذر فيها عارض "ستوكهولم". بدأت تبرر أفعاله، ثم تساعده، ثم تشارك في ألاعيبه. شيئاً فشيئاً، أصبحت جزءاً من عالمه المظلم. ساعدته في نصبِه، في احتياله وخداعه، في سرقاته التي كانت تُغطّى بثوبٍ من “اللباقة” و”التهذبب”. لم تعد تلك الفتاة الوديعة التي نشأت في بيتٍ مليء بالشهامة. فوالدها… كان رجلاً مختلفاً: رجلٌ معروف بالكرم، بالضيافة وبالاتزان. ووالدتها الطيبة والحنونة والحاضنة لعائلتها. بيتهم كان مفتوحاً للجميع، مليئاً بالدفء والصدق. لكنها… خرجت من سهوب النور، وسكنت في خيام الظلام. بفعل العشرة… بفعل القهر… بفعل الانكسار الطويل، أصبحت كائناً آخر: طماعة… خبيثة… لا يُؤمن جانبها. لم تعد تشبه نفسها. بل أصبحت نسخةً مشوهة من المشعوذ الذي دمّرها. ربيع داغر
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c March 30, 2026
بالعودة إلى البدايات، حيث لم يكن ربّ العائلة المشعوذة قد ارتدى بعد قناع الوقار الزائف، تتكشف صورة أشدّ قتامة مما نراه اليوم. كان في شبابه عازباً، طليق اليدين في العبث، لا يردعه وازع أخلاقي ولا تحدّه حدود عائلية أو إنسانية. لم يكن يتوانى عن انتهاز أي فرصة للنصب أو الاستغلال، وكأن العالم بالنسبة له مجرد مسرح مفتوح لتجارب أنانيته. في بيت والديه، حيث يفترض أن يسكن الاحترام والحنان، كان المشهد مختلفاً. استغلّ والديه وإخوته بلا رحمة، محوّلاً المنزل إلى مساحة لخدمة نزواته. كان يدعو النساء بلا حرج، كما يقيم الولائم للتجّار وأصحاب المال، لا من كرمٍ أصيل، بل من رغبة في التباهي وبناء علاقات قائمة على المصلحة المحاولة الحثيثة لنصب الآخرين. كانت تلك الولائم تُقام على حساب تعب والديه المسنّين، اللذين أنهكهما العطاء القسري، بينما هو ينفق بسخاء على الغرباء، كأنّ المال ليس إلا وسيلة لإشباع غرورٍ لا حدّ له. وإذا قصّرت الأم يوماً، أو عجزت عن تلبية متطلباته المتزايدة، لم يكن يتردد في توبيخها وإهانتها علنا أو إظهار امتعاضه مها، ناسياً أو متناسياً أنها امرأة أثقلها العمر والخدمة. ومع مرور الوقت، تحوّلت تلك الضغوط اليومية إلى عبء نفسي وجسدي لا يُحتمل. لكن الذروة المأساوية جاءت حين أقنع والديه بترك البيت المستأجر، بحجة الحصول على تعويض من المالك. لم يكن هدفه تحسين وضعهما، بل الاستيلاء على التعويض لنفسه. وبالفعل، قبض المال، ووضعه في جيبه، ثم ترك والديه يواجهان مصيراً قاسياً في قبوٍ رطبٍ وقذر، تحت مستوى الطريق، حيث الرطوبة والجرذان وروائح الصرف الصحي. هناك، في ذلك المكان الذي لا يليق بالبشر، انتهت حياة الأم اختناقاً، بعد أن أنهك المرض رئتيها. وبعد فترة قصيرة، لحق بها الأب، الذي كان قد أفنى عمره تاركا لأبنائه عدة عقارات، قبل أن تُنتزع منه الكرامة في أيامه الأخيرة. تلك الثروة التي استولى عليها الابن دون وازع، وكأنها حق مكتسب لا يرقى إليه الشك. لم تكن تلك الأحداث سوى فصل من فصول سيرة مظلمة، استمرّت حتى بعد زواجه. تغيّرت الأدوار، لكن النهج بقي ذاته: استغلال، قسوة وغياب شبه كامل لأي شعور إنساني. أنجب بنات وابنا، لكن ذلك لم يبدّل في طباعه، بل استمر في إعادة إنتاج السلوك ذاته، كأنّ ما ترسّخ في داخله لا يمكن اقتلاعه. في هذه السيرة، لا تبدو المأساة في الأفعال وحدها، بل في الاستمرارية… في ذلك العجز عن التغيير، وفي ذلك الفراغ الإنساني الذي يبتلع كل ما حوله دون أن يشبع. يتبع
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c March 27, 2026
لم تكن حكاية “العائلة المشعوذة” مجرّد سلسلة من الحيل المالية أو العلاقات المشبوهة التي تُدار خلف الأبواب المغلقة فحسب، لا بل تمتدّ إلى ما هو أخطر وأكثر ظلمة، حيث يتحوّل الضعف الإنساني إلى فرصة للاستغلال، ويُستدرج الأبرياء إلى مصائر لم يتخيلوها يوماً وتنتهك الطفولة. في هذا الفصل من الحكاية، يظهر وجه آخر من وجوه تلك العائلة، وجه يختبئ خلف أقنعة “العمل” و”المساعدة”، بينما يُضمر في داخله نوايا مقلقة. فقد درجت ربة المنزل على استقدام عاملات تنظيف أصولهن من بلدان منكوبة، نساء دفعتهنّ الحاجة القاسية والفقر والحروب واللجوء إلى قبول أي فرصة عمل، مهما كانت ظروفها غامضة في البلد المضيف. كنّ يصلن محمّلات بأحلام بسيطة: لقمة عيش كريمة، وبعض المال لإعالة عائلاتهنّ البعيدة. لكن ما إن تطأ أقدامهنّ عتبة المنزل، حتى تبدأ ملامح الحقيقة بالظهور تدريجياً. كانت ربة العائلة تتعامل ببرود محسوب، تراقب العاملات واحدة تلو الأخرى، تقيّمهنّ بعين لا ترى فيهنّ بشراً بل سلعا. وإذا صادف أن كانت بينهنّ فتاة صغيرة السن، قاصرة أو بالكاد بلغت، تبدأ المعاملة تختلف. يتم فصلها عن باقي العاملات بحجة “الراحة” أو “تخفيف العمل”، وتُنقل إلى غرفة جانبية أو مكان معزول داخل المنزل. هناك، في ذلك العزل المتعمّد، يتكشف الخطر الحقيقي. فرب العائلة المشعوذة يصبح بطل المشهد من تحرش إلى اعتداء وصولا للاغتصاب بحسب الظروف السانحة. لم يكن الأمر صدفة، ولا سوء تنظيم، بل نمطاً متكرراً متفقا عليه بين رب العائلة وربة العائلة المشعوذة؛ مع وجود نية مسبقة ثابتة ومصممة. فالعزل لم يكن سوى خطوة أولى في سياق مقلق، حيث يفتح الباب أمام انتهاكات لا يمكن تبريرها أو السكوت عنها؛ وتلك الفتاة التعسة كانت تُترك بلا حماية، بلا سند، في بيئة لا تعرف عنها شيئاً، وبعيداً عن أعين الآخرين بينما جسدها الناحل الغض ينوء تحت ثقل جسد كهل بشراسة غول. والأخطر من ذلك، أن الصمت كان رفيق تلك اللعبة الدنيئة وسورها. فالعاملات الأخريات، رغم شعورهنّ بأن هناك ما ليس طبيعياً، كنّ يخشين الكلام. فالخشية من الطرد، من الفضيحة أو من ضياع فرصة العمل، كانت كفيلة بإبقاء الجميع داخل دائرة الصمت. وهكذا تستمرّ الدوامة: استدراج، عزل، انتهاك للأعراض ومن ثم خوف فصمت.. إلى أن استطعنا معرفة القصة؛ فبدد ضوء الصحافة عتمة السكوت.
March 26, 2026
تشكّل منطقة البترون، كغيرها من المناطق اللبنانية، مرآةً دقيقةً للتوازنات السياسية الوطنية، حيث تتقاطع فيها مواقف الأحزاب بين رفض العدوان الإسرائيلي من جهة، والانقسام حول أسبابه وسياقاته الإقليمية، لا سيما ارتباطه بالصراع بين إيران والولايات المتحدة، ودور حزب الله في هذا المشهد. من حيث المبدأ، لا يختلف اثنان في البترون على إدانة الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، باعتبارها انتهاكاً للسيادة وتهديداً مباشراً للأمن الوطني. إلا أن هذا الإجماع النظري سرعان ما يتشظى عند مقاربة الخلفيات السياسية والعسكرية للصراع. في هذا السياق، يبرز موقف تيار المردة، الذي ينسجم مع خطه السياسي التقليدي الداعم للمقاومة. إذ يرى أن العدوان الإسرائيلي هو استمرار لمشروع استهداف لبنان، وأن الرد عليه لا يكون إلا من خلال معادلة الردع التي أرساها حزب الله. كما يربط المردة بين التصعيد الإسرائيلي وبين الصراع الإقليمي، معتبراً أن لبنان جزء من محور أوسع تقوده إيران في مواجهة إسرائيل. في المقابل، تتخذ أحزاب مثل الكتائب اللبنانية والقوات اللبنانية موقفاً مختلفاً في الجوهر، رغم إدانتها الشكلية للعدوان. فهذه القوى تعتبر أن سياسات حزب الله، وارتباطه بإيران، قد أدخلت لبنان في صراعات إقليمية لا طاقة له على تحملها. وترى أن ما يتعرض له لبنان هو نتيجة مباشرة لانخراط الحزب في النزاعات الإقليمية، ما يجعل البلاد ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى، خصوصاً بين إيران والولايات المتحدة. أما على صعيد الشخصيات المستقلة أو ذات التوجه السيادي في البترون، مثل مجد حرب، فيبرز خطاب يحمّل المسؤولية المزدوجة: فهو يدين العدوان الإسرائيلي من جهة، لكنه في الوقت نفسه ينتقد بشدة سلاح حزب الله وخياراته الإقليمية، معتبراً أن قيام دولة فعلية في لبنان يمر عبر حصر قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الشرعية. ولا يمكن إغفال موقف الحزب الشيوعي اللبناني، الذي يتبنى مقاربة مختلفة نسبياً، تنطلق من خلفيته اليسارية التاريخية المناهضة لإسرائيل. إذ يدين الحزب العدوان بشكل واضح، ويرى فيه امتداداً للسياسات الإمبريالية، إلا أنه في الوقت نفسه يدعو إلى بناء مقاومة وطنية جامعة، لا ترتبط بمحاور إقليمية، بل تنطلق من مشروع وطني تحرري مستقل. هكذا، تبدو البترون ساحةً تعكس الانقسام اللبناني الأوسع: إجماع على رفض العدوان، يقابله خلاف عميق حول أسبابه وسبل مواجهته. بين من يرى في حزب الله قوة ردع ضرورية، ومن يعتبره سبباً في جرّ البلاد إلى أتون الصراعات، تبقى الحقيقة أن لبنان، بكل مناطقه، لا يزال يعيش على خط تماس دائم بين الجغرافيا السياسية والانقسام الداخلي. وفي ظل هذا الواقع، يتردد السؤال نفسه بإلحاح: هل يمكن للبنانيين، في البترون كما في سائر المناطق، أن يتفقوا يوماً على استراتيجية وطنية موحدة تحمي البلاد من العدوان، دون أن تجعلها رهينة لصراعات الآخرين؟ ربيع داغر
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c March 22, 2026
ليست كل الدعوات بريئة، ولا كل الابتسامات صادقة، فثمة عائلات احترفت فنّ الاستدراج كما يُحترف أي عمل آخر، حتى باتت الضيافة عندها أداة، والكلمة الطيبة فخًّا، واللقاء العابر بداية خيط طويل من الخديعة. في هذا الجزء، نغوص أعمق في سلوك تلك "العائلة المشعوذة" التي لا تكتفي بالمراوغة، بل تتقن التواطؤ الداخلي وتوزيع الأدوار كما لو أنها فرقة مسرحية محكمة التدريب. تبدأ الحكاية باتصال هاتفي يبدو عفويًا. ربّ الأسرة يتقمّص دور الحنين المفاجئ، يفيض شوقًا، يستعيد الذكريات، ويُلحّ بلطفٍ مدروس على اللقاء. يتردّد الضحية قليلًا، لكن حرارة الدعوة، وإلحاحها المبطّن بالمودّة، تُسقط حذره. يُحدَّد الموعد، وغالبًا ما يكون في وقتٍ مريح للضيف، لا لهدف الكرم، بل لإحكام السيطرة على تفاصيل المشهد. في الجهة المقابلة، تتحرّك الآلة العائلية. تُبلَّغ الزوجة، ويُستدعى من الأبناء من يصلح للدور. تُوزّع المهام بدقّة: من سيُظهر الحفاوة، من سيتولّى الحديث، من سيُضفي جوّ الألفة، ومن سيزرع الفكرة الأساسية. كلّ فرد يعرف موقعه، كأنهم نسجوا مسبقًا سيناريو لا يحتمل الارتجال. عند وصول الضيف، يُستقبل بحفاوة تفوق المألوف. كلمات الترحيب، المائدة العامرة، الضحكات المتناثرة… كلّها تفاصيل تُبنى بعناية لتُسقط الحواجز. يشعر الضيف بأنه بين أهله، بل ربما أفضل. وهنا تبدأ المرحلة الأخطر: نسج خيوط العنكبوت. يدخل الحديث تدريجيًا إلى مواضيع المال، الفرص والمشاريع. يُطرح اقتراح شراكة تبدو ذهبية، أو حاجة طارئة لاقتراض مبلغ بسيط “مؤقت”. تُدعم الرواية بأدلة مصطنعة: مشروع قيد التنفيذ، أرباح قريبة أو أزمة عابرة تحتاج إلى دعم صديق. تتدخّل الزوجة لتؤكّد، ويُدلي أحد الأبناء بمعلومة “عفوية” تُعزّز الثقة. كلّ شيء يبدو متماسكًا… لأنّه مُفبرك بإتقان. وإذا وافق الضيف، تبدأ الحلقة الثانية من الخديعة: تتأخر الدفعات، تُختلق الأعذار، ثم تتصاعد الخلافات. فجأة، تنقلب الأدوار: من مُضيفٍ ودود إلى شريكٍ متضرّر، ومن مدينٍ إلى ضحية. تُفكّ الشراكة بحجج جاهزة، متّفق عليها مسبقًا، ويُلقى اللوم على الطرف الآخر، الذي يجد نفسه محاصرًا بسردية مُحكمة لا يملك أدوات تفكيكها. أما إن تردّد الضيف منذ البداية، فلا يُترك بسهولة. تُمارَس عليه ضغوط ناعمة: تذكير بالمودّة، استحضار للكرم، تلميح بالخذلان. وإن أفلت، يُصنَّف ضمن “غير الموثوقين”، وتُغلق أمامه أبواب العلاقة. المشكلة في هذه العائلة لا تكمن فقط في سلوكها، بل في قدرتها على إخفاء حقيقتها خلف قناعٍ اجتماعي مقبول. فهي لا تبدو خارجة عن القانون، بل متقنة للالتفاف حوله، مستفيدة من الثقة الاجتماعية، ومن خجل الضحايا في كشف ما تعرّضوا له. إنها ليست مجرد حكاية عن خداع، بل عن منظومة صغيرة تُدار بعقلية جماعية، حيث يتحوّل القرب إلى وسيلة، والضيافة إلى شرك، والثقة إلى ضحية صامتة. وهنا تكمن الخطورة: في أن الضيف، حين يكتشف أنه اختُنق بخيوط العنكبوت، يكون قد تأخر كثيرًا… لأن الخيوط لم تكن مرئية منذ البداية. يتبع
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c March 21, 2026
رغم كل ما يحيط بنا من أزمات وانكسارات، يبقى عيد الأم فعل إيمان… إيمان بأن الحياة لا تُهزم، وأن الحبّ أقوى من كل الظروف. في وطنٍ يتعب ولا يسقط، تقف الأم كأعظم معجزة حيّة: لا تنحني، لا تتراجع، ولا تتخلى. هي التي تُخفي وجعها لتصنع لنا الطمأنينة، وتزرع فينا الأمل ولو كانت الأرض قاحلة من حولها. الأم ليست فقط من أنجبت، بل من أعادت خلقنا في كل مرة كدنا أن ننهار. وفي قلب هذا المشهد، ومن البترون تحديدًا، يرتفع صوت الفرح كنوع من التحدّي… لا هروبًا من الواقع، بل انتصارًا عليه. ههنا يجتمع الناس لا ليحتفلوا فقط، بل ليقولوا إن الأم تستحق أن تُكرَّم مهما اشتدّت الظلمات. ففي البترون، يتحوّل عيد الأم إلى رسالة للوطن: أننا رغم كل شيء، ما زلنا نعرف كيف نحب، كيف نجتمع،د وكيف نُعيد للحياة معناها. أن الأم ليست مناسبة… بل هوية، وتجذر، وسبب للاستمرار. فيا أمهات لبنان… أنتنّ لستنّ مجرد ذكرى في يوم وحيد، أنتنّ المعنى حين يفقد العالم معناه، أنتنّ القوة حينما يتعب الجميع وأنتنّ الحقيقة التي لا تُكسَر. كل عيد وأنتنّ النبض الذي يُبقي هذا الوطن حيًّا… مهما اشتدّت العواصف! فريال خوري موسى
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c March 20, 2026
لم يكن تأجيل الانتخابات النيابية مجرّد قرار إداري فرضته الظروف، بل شكّل تحوّلاً سياسياً عميقاً أعاد رسم معادلة الربح والخسارة في قضاء البترون، حيث التنافس الحاد بين قوى تقليدية وشخصيات صاعدة. في ميزان الربح، يأتي أولاً النواب الحاليون. فهؤلاء ربحوا تلقائياً سنتين إضافيتين في مواقعهم، ما يمنحهم وقتاً ثميناً لتعزيز حضورهم الخدماتي وتثبيت نفوذهم المحلي. في البترون، حيث تلعب العلاقات الشخصية والخدمات دوراً محورياً في كسب الناخبين، يشكّل هذا العامل نقطة قوة حاسمة. فالنائب الذي يملك اليوم مفاتيح الدولة، يستطيع أن يحوّل الوقت إلى رصيد انتخابي إضافي. كما تستفيد الأحزاب المنظمة التي تمتلك قواعد ثابتة. فالتأجيل يمنحها فرصة لإعادة ترتيب صفوفها، ترميم صورتها إن تضررت، وإعادة تعبئة جمهورها. هذه القوى تجيد العمل طويل الأمد، وتعرف كيف تستثمر الوقت لصالحها. في المقابل، يظهر الخاسر بوضوح. أولهم المرشحون الجدد والقوى التغييرية، الذين كانوا يراهنون على زخم شعبي ونقمة عامة لتحقيق خرق انتخابي. فالتأجيل يبدّد هذا الزخم، ويضعهم أمام تحدي الحفاظ على حضورهم لسنتين من دون استحقاق فعلي. ومع مرور الوقت، قد تتراجع الحماسة الشعبية، ويخفت الصوت المعارض. كذلك، يخسر المستقلون الذين لا يملكون ماكينة حزبية أو تمويلاً ثابتاً. فهؤلاء يعتمدون على اللحظة السياسية، والتأجيل يسحب منهم عنصر المفاجأة ويُدخلهم في مرحلة استنزاف بطيئة. أما الخاسر الأكبر، فهو الناخب البتروني. إذ حُرم من فرصة المحاسبة والتغيير، وبقي أسير واقع سياسي لم يختر تمديده. هذا الحرمان قد لا يظهر فوراً، لكنه يراكم نقمة صامتة قد تنفجر عند أول استحقاق مقبل. بين الرابح والخاسر، يبقى السؤال الأهم: من يحسن استثمار الوقت؟ فالتأجيل ليس نهاية المعركة، بل بداية مرحلة جديدة. فيها قد يتحول الرابح إلى خاسر إن تراخى، وقد يعود الخاسر لاعباً قوياً إن أحسن تنظيم نفسه. في البترون، كما في لبنان، السياسة لا تعرف الثبات… بل تعترف فقط بمن يجيد استغلال اللحظة، حتى لو كانت مؤجلة.
More Posts