العائلة المشعوذة – الحلقة العاشرة: الأعور الدجّال

لم يكن أحدٌ ليتخيّل أن يصل ربّ العائلة المشعوذة إلى تلك المرحلة من الانحدار.
كان الرجل، منذ سنوات، يعيش على مراقبة أملاك الآخرين أكثر مما يعيش في بيته. عيناه لم تعرفا القناعة يومًا، ولا ارتاح قلبه لما يملك، بل ظلّ مأخوذًا بما في أيدي الناس: أرض هذا، ومال ذاك، ونجاح غيره وراحة من حوله.
ومع الوقت، وكأن الطمع نفسه بدأ يلتهمه من الداخل، فقد إحدى عينيه. لكن خسارته الجسدية لم توقظه، بل زادته قسوةً وتوحشًا. صار ينظر بعينه الوحيدة كما ينظر الجائع إلى فريسته، لا يرى في البشر أصدقاء ولا جيرانًا ولا أقارب، بل فرصًا للاستغلال والابتزاز والسيطرة.
ومنذ أن أصبح “الأعور الدجّال”، كما صار الناس يهمسون خلف ظهره، تضاعفت ألاعيبه.
راح ينسج القصص، ويزرع الفتن، ويُتقن لعب دور الضحية حينًا ودور الحكيم حينًا آخر، بينما كان في الحقيقة يغرق أكثر فأكثر في عالم الشعوذة النفسية والتلاعب بعقول البسطاء.
زوجته كانت تراقب تحوّله بصمتٍ بارد مكتسبة ومتكسبة، أما الأبناء فقد تعلموا سريعًا أن الكذب في هذا البيت ليس خطأً، بل وسيلة حياة. وهكذا صار البيت كله أشبه بمسرحٍ كبير: كلمات عن الأخلاق أمام الناس، وخلف الأبواب مؤامرات صغيرة لا تنتهي.
لقد فقد الأعور كلَّ إحساسٍ بالخجل.
لم تعد الكرامة تعني له شيئًا، ولا بقي في داخله أثرٌ لفضيلةٍ أو شهامة. صار مستعدًا لفعل أي شيء كي يشعر بالقوة: يحرّض هذا على ذاك، يستدرج المحتاج، يستغل الضعيف، ويبتسم ببرودٍ بعد كل أذى يسببه.
وكان أكثر ما يثير الرعب فيه أنه لم يعد يرى نفسه مخطئًا.
فكلما ازداد خرابًا، ازداد اقتناعًا بأنه أذكى من الجميع. وكلما ابتعد الناس عنه، ظنّ أنهم يغارون منه. وهكذا عاش داخل مرآةٍ مشوّهة لا تعكس إلا غروره وجشعه.
لكن أهل الحي كانوا يدركون حقيقةً واحدة:
أن الإنسان حين يفقد ضميره، يصبح أعمى أكثر من أي فقدانٍ في البصر. وأن أخطر أنواع الشعوذة ليست تلك التي تُقرأ فيها الطلاسم، بل تلك التي تحوّل القلب إلى حجر، وتجعل صاحبها يعيش بلا رحمة ولا شرف.
مقالات | ARTICLES








