المكتب الذي لا يردّ “مَوتى”

في التقاليد القروية القديمة، كان الناس يتحدثون عن ظاهرة: “الجبّانة التي لا تردّ موتى"، ويقصدون بها تلك المرأة التي لا ترفض أحدًا مهما كان حاله أو سمعته أو قصده. ومع الزمن، تحوّل هذا التعبير إلى وصفٍ لكل مكانٍ فقد معاييره، فلم يعد يميّز بين الشريف والمشبوه، ولا بين صاحب القضية وصاحب المصلحة القذرة.

وفي إحدى زوايا مدينة البترون، ثمّة مكتب سياسي يشبه تلك “الجبّانة” تمامًا. بابُه مفتوح، لكن ليس لأصحاب الكفاءة أو أهل الرأي، بل لكل من لفظته الأخلاق واحتضنته الشبهات. لا يسأل الداخل: من أنت؟ ولا ماذا فعلت؟ ولا ما الذي تحمله خلف ابتسامتك؟ المهم أن تأتي محمّلًا بمنفعة، أو مستعداً لولاء، أو قادرا على خدمة التيار الذي يدور حول نفسه كأنه طاحونة صدئة لا تتوقف.

هناك، يجلس المحتال إلى جانب التاجر الفاسد، ويصافح القوّاد صاحبَ الخطاب الأخلاقي، ويجد المتورّط في المخدرات مكانًا له بين “المناضلين”، ولكن بالمجمل يُعامل صاحب السمعة النظيفة كأنه غريب عن المشهد. لا فرق بين من بنى اسمه بالتعب ومن بناه بالخداع. الجميع مرحّب بهم، ما داموا يملكون شيئًا يُستثمر: صوتًا انتخابيًا، علاقة نافعة، مالًا مشبوهًا أو قدرة على تنفيذ المهمات القذرة.

هذا المكتب لا يردّ أحدًا. يستقبل كل أنواع البشر كما تستقبل المجارير مياه الأحياء كلها دون تمييز. يتحوّل العمل السياسي فيه إلى بازار، تُباع فيه المواقف، وتُشترى فيه الولاءات، وتُغسل فيه السمعة أحيانًا ببيانٍ أو صورة أو مأدبة عشاء.

والأخطر أن هذا الانفتاح على القعر يُقدَّم للناس على أنه “ذكاء سياسي” أو “احتواء للجميع”. لكن الحقيقة أن السياسة التي لا تضع حدودًا أخلاقية تتحوّل سريعًا إلى مستنقع. فحينما يصبح باب المكتب مفتوحًا للقوّاد، ومروّج السموم، والسارق، ومزوّر الحقائق، عندها لا يعود المكان مكتبًا سياسيًا، بل غرفة انتظار طويلة لكل أشكال الانحدار.

المجتمعات لا تسقط دفعة واحدة، لا بل تسقط عندما يصبح الفاسد ضيفًا دائمًا على الطاولة، وحين يُمنح المنحرف شرعية الجلوس بين الناس المحترمين فقط لأنه “مفيد” مرحليًا. وهكذا، يتحوّل بعض الساسة إلى جامعي نفايات بشرية، يظنون أن كثرة الأتباع تعني القوة، بينما هي في الواقع علامة انهيار أخلاقي بطيء.

إن المكتب الذي لا يردّ “مَوتى”، لن يلبث طويلًا حتى يفقد احترام الناس، لأن السياسة بلا قيم ليست إدارة شأن عام، بل إدارة خراب عام.


ربيع داغر

مقالات | ARTICLES

By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c August 1, 2026
العائلة المشعوذة – الحلقة السادسة عشرة بعنوان "الصرماية العتيقة"
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c July 28, 2026
ناجي البستاني... محامٍ لم تنل منه المدينة ولم تُبعده المهنة عن جذوره
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c July 18, 2026
العائلة المشعوذة الحلقة الخامسة عشرة: مجالس بلا أمانات
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c July 16, 2026
تفاهمات روما تبلور الوضعيًة المستقبليًة لحزب الله
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c July 7, 2026
العائلة المشعوذة – الحلقة الرابعة عشرة: عقلية الزبًال
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c June 29, 2026
البترون بين رحيل النازحين وإلغاء المهرجانات... اقتصاد يبحث عن نبض جديد
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c June 21, 2026
ذكرى عيد الأب في ظل ابتعاد الأبناء: حين يصبح الغياب سكناً والحزن رفيقاً دائماً
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c June 20, 2026
سليمان فرنجية.. بين ضغط الخارج واحتضان الداخل
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c June 18, 2026
القبيحة صاحبة القوس – الحلقة الثانية
By bab31d8b-05a7-4bcc-bd23-820876f9f75c June 16, 2026
من الرابح والخاسر بين الأحزاب المسيحية بعد التفاهم الأميركي – الإيراني؟
More Posts