الحرب الإسرائيلية- الإيرانية: مواجهة مفتوحة إلى أبعد الحدود
الحرب الإسرائيلية- الإيرانية: مواجهة مفتوحة إلى أبعد الحدود
تشهد المنطقة واحدة من أخطر مراحل التصعيد العسكري منذ عقود، بعد أن انتقلت المواجهة بين إسرائيل وإيران من التوتّرات غير المباشرة إلى حرب مفتوحة تُرسم خطوطها بالنار، وتُحدّد معالمها وفق توازنات قوى إقليميّة ودوليّة معقدة.
لطالما نظرت إسرائيل إلى إيران كتهديدٍ استراتيجيٍ وجودي، ليس فقط بسبب مشروعها النووي، بل أيضاً بسبب تمدّد نفوذها الإقليمي عبر حلفاء مثل "حزب الله" في لبنان و"الحشد الشعبي" في العراق و"أنصار الله" في اليمن. وترى تل أبيب أن امتلاك إيران للسلاح النووي يعني نهاية ما تسمّيه "ميزان الردع"، لذلك قرّرت في هذه المرحلة الانتقال من سياسة "الاحتواء والردع" إلى سياسة "الاستباق والحسم".
ولم يكن القصف الإسرائيلي الأخير داخل العمق الإيراني مجرّد رد، بل إعلاناً واضحاً بأن طهران لم تعد محميّة خلف خطوط الجغرافيا، وأن إسرائيل مستعدّة للمخاطرة إذا تعلّق الأمر بإزالة التهديد النووي من جذوره.
على الضفة الأخرى، تعاملت إيران مع الهجمات الإسرائيلية بوصفها تأكيداً على ما كانت تحذّر منه دائماً: أن إسرائيل دولة معتدية، مدعومة من الغرب، لا تريد استقرار المنطقة. وجاء الرد الإيراني غير مسبوق، سواء من حيث الحجم أو الجرأة، إذ أطلقت طهران وابلاً من الصواريخ والطائرات المسيّرة باتّجاه الأراضي الإسرائيلية، في تطوّر اعتبره البعض "نقطة تحوّل تاريخية" في قواعد الاشتباك، خاصة وأنه ولأوّل مرة منذ تأسيس الدولة العبرية عام 1948، تتعرّض المدن الإسرائيلية لهجوم عسكري مباشر من دولة إقليميّة مثل إيران. فالهجمات السابقة، سواء من "حزب الله" أو "حماس"، ظلّت محصورة ضمن نطاق الحروب غير المتكافئة.
أما الآن، فقد تمكّنت إيران من تجاوز كل الخطوط الحمراء، ووصلت صواريخها وطائراتها المسيّرة إلى العمق الإسرائيلي.
بالرغم من كل هذا التصعيد، يبدو أن إسرائيل لم تلجأ بعد إلى استخدام كامل قوتّها العسكرية، بل تعتمد استراتيجية تصعيد تدريجي. وهي ربما تختبر حدود الصبر الإيراني، وتُراهن على تفكّك التحالفات الإقليميّة الداعمة لطهران. كما أن تل أبيب تنتظر موقفاً حاسماً من الإدارة الأميركيّة، التي بالرغم من دعمها العلني لإسرائيل، لا تزال متردّدة في الانخراط المباشر في الحرب خشية انفجار إقليمي واسع، وهي تُراهن على أن التصعيد المستمر سيُجبر واشنطن على الانخراط إما سياسياً أو عسكرياً، في حال خرجت المواجهة عن السيطرة.
في المقابل، تراهن إيران على شبكة تحالفاتها الإقليميّة والدوليّة. كما تعتمد على بُعد إيديولوجي عميق في خطابها العسكري، فتُقدّم الصراع بوصفه مواجهة بين الحق والباطل، وتُعبّئ جمهورها داخلياً وخارجياً حول شعار "النصر الإلهي"، الذي لطالما شكّل محوراً رئيسياً في عقيدتها العسكرية والإعلامية.
من ناحية أخرى، لا تمتلك إيران سلاحاً نووياً حتى الآن بالرغم من أنها قادرة على تطويره. بالمقابل تمتلك اسرائيل السلاح النووي بالرغم من عدم اعترافها الرسمي بالأمر.
وعليه، تكون السيناريوهات المحتملة للحرب القائمة كالتالي:
- السيناريو الأول: تصعيد شامل وحرب إقليميّة مفتوحة، بحيث تفقد الأطراف قدرتها على ضبط النفس، وتتحوّل الضربات المتبادلة إلى حرب شاملة تستخدم فيها الأسلحة المدمّرة وتمتدّ من الخليج إلى شرق المتوسط.
تستخدم إسرائيل كامل ترسانتها العسكرية، بما في ذلك القصف العنيف لمواقع نووية وعسكرية داخل إيران. وتردّ إيران بصواريخ بعيدة المدى، وتفتح جبهات متعدّدة عبر انصارها في الدول المجاورة. وإزاء هذه الظروف، تدخل الولايات المتحدة مباشرة للدفاع عن مصالحها وحلفائها.
- السيناريو الثاني: احتواء الحرب في نطاق محدود، فبالرغم من ارتفاع حدّة العمليات، تبقى ضمن "حدود الاشتباك المحسوبة"، أي ضربات دقيقة ومحدودة، مع تجنّب توجيه ضربات كارثية قد تؤدي إلى حرب شاملة. فتستمرّ إسرائيل في قصف منشآت نووية ومراكز قيادة داخل إيران. وتردّ إيران بواسطة صواريخ ومسيّرات من أراضيها، لكن مع توازن بين الردع والتصعيد. اما الولايات المتحدة الاميركية، فتضغط ديبلوماسياً لضبط النفس وتمنع انفلات الأمور.
-السيناريو الثالث: إبرام صفقة دولية ووقف إطلاق نار مشروط، بقيادة قوى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين، لإبرام صفقة شاملة تُجمّد الحرب. وعليه، توافق إيران على تهدئة مقابل ضمانات دولية بعدم ضرب منشآتها النووية مجدداً، وتوقف إسرائيل هجماتها العسكرية بشرط تجميد تخصيب اليورانيوم، وقد يُبرم اتفاق جديد بديل عن اتفاق 2015 يتعلّق بالملفّ النووي الإيراني وملفّ الصواريخ الباليستيّة الإيرانيّة ومسألة الأذرع الإيرانيّة في المنطقة.
ختاماً، إن الحرب الإسرائيلية- الإيرانية الراهنة ليست مجرّد مواجهة عسكرية، بل هي لحظة فاصلة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، وإن إخطر ما فيها أنها حرب لا يملك أحد السيطرة على مآلاتها.
د. ريما داغر
مقالات | ARTICLES
العائلة المشعوذة – الحلقة الثالثة عشرة: طباع الشاندالا








