ثقافة الدف

تردّدتُ كثيرًا قبل أن أكتب هذا المقال. فمن السهل أن نتحدّث عن الآخرين، وأن نضع أصابعنا على أخطائهم، لكن هل من السهل أن نقف أمام المرآة ونقول: لعلّ المشكلة فينا نحن؟
هل نملك الشجاعة الكافية لكي نُخضع أنفسنا للنقد، كما نُخضع الآخرين له؟
بعد مباحثاتٍ عديدةٍ مع صديقٍ لي، ناشر هذا الموقع، طلب نصحني أن أكتب ما ستقرؤونه. تردّدت، ثم قلت لنفسي: لعلّ أصعب أنواع الكتابة هي تلك التي لا تضع الآخرين في قفص الاتّهام، بل تضع الكاتب نفسه والقارئ معه أمام مرآة الحقيقة.
ومن هنا بدأت الحكاية:
ثقافة الدف.
الدفّ... تلك الآلة التي عرفناها مع الزجّالين في الزجل والتراث اللبناني، والتي لطالما كان دورها أن تضبط الإيقاع، وتمنح الشاعر حماسًا، وتدفع الجمهور إلى التفاعل.
لكن يبدو أنّ الدفّ تجاوز وظيفته كآلة موسيقيّة، وتحوّل، من حيث لا ندري، إلى ثقافةٍ كاملة.
ثقافة انعكست على طريقة تفكيرنا، وعلى سلوكنا، وعلى وعينا الجماعي.
فالدفّ لا يخترع اللحن ولا يناقش الكلمات ولا يسأل إن كان ما يُقال جميلًا أو رديئًا.
دوره أن يردّد إيقاعًا ثابتًا، جامدًا، لا يتزحزح، مهما تغيّر الكلام.
وكأنّنا، للأسف، أصبحنا مثله.
لا نعرف متى نقرع، ولماذا نقرع، وعلى ماذا نقرع.
المهمّ أن نقرع.
وهنا تبدأ المشكلة.
فقد تسلّلت هذه الثقافة إلى تفاصيل حياتنا، وأصبحت العشوائيّة في كثيرٍ من الأحيان قاعدة، والمنطق استثناءً.
الحرامي أصبح «شاطرًا» والكاذب أصبح «حربوقًا» ومن يخالف القانون أصبح ذكيًّا إذا استطاع الإفلات من المحاسبة.
والذي يستعمل نفوذه لتجاوز النظام يُنظر إليه أحيانًا على أنّه يعرف كيف «يمشّي أموره».
كلّه دفّ.
لا نعود نسأل: هل هذا صحيح؟
نسأل فقط: هل استطاع أن يفعلها؟
وكأنّ النجاح لم يعد مرتبطًا بما هو أخلاقي أو قانوني أو منتج، بل بقدرة الإنسان على الإفلات.
وهكذا تضيع البوصلة.
لا نعود نعرف أين تبدأ الأولويّات وأين تنتهي.
ولا نعرف كيف نفرّق بين السبب والنتيجة، ولا بين المشكلة وعوارضها.
نستخدم الحلول نفسها للمشكلات المختلفة، ونضع القوالب نفسها أمام ظروفٍ لا تشبه بعضها.
تمامًا كالدفّ.
إيقاع واحد، مهما تبدّل الشعر.
نبكي على حالتنا.
نشكو من الفساد.
نلعن الغلاء.
نتذمّر من انهيار الدولة.
نتحدّث عن تراجع التعليم، وانهيار الاقتصاد، وغياب الخدمات، وفقدان الأمل.
لكن كم واحدٍ منّا يذهب فعلًا إلى جذور المشكلة؟
كم واحدٍ منّا يحاول أن يفهم؟
كم واحدٍ منّا يبحث عن حلٍّ علميّ، منهجيّ، قابل للتطبيق؟
نريد النتائج من دون أن نغيّر الأسباب.
نريد دولةً حديثةً بعقليّّةٍ قديمة.
نريد إدارةً ناجحةً من دون هيكليّة.
نريد قيادةً من دون رؤية.
نريد إصلاحًا من دون محاسبة.
نريد مستقبلًا مختلفًا بالطريقة نفسها التي أوصلتنا إلى حاضرنا.
لا منطق.
لا هيكليّة قياديّة.
لا أفكار جديدة.
لا استماع حقيقيًّا للمشكلات.
ولا رغبةً جديّةً في معالجة الأسباب بدل معالجة النتائج.
وفي حفلات الزجل، هناك دائمًا من يصرخ مع إيقاع الدفّ، سواء كان الإيقاع صحيحًا أم خاطئًا.
إنّها «الردّيدة».
وهي، ربّما، أكثر ما يحبّه محبّو الدفّ.
صرخة أعلى.
صوت أعلى.
حماس أكثر.
وتفكير أقلّ.
لقد دخلت هذه الثقافة إلى صلب المجتمع، فأصبحنا، وكأنّنا في حفلة زجلٍ كبيرة: جميلة السمع، قليلة المضمون.
نصفّق.
نهتف.
نتحمّس.
ثمّ نعود إلى بيوتنا من دون أن نسأل ماذا قيل أصلًا.
لا محاسبة.
لا تدقيق.
لا فهم.
وهل يُحاسَب الزجّال على كلّ ما يقوله؟
الشاعر يقول ما يشاء، والجمهور يصفّق، والدفّ قادم لا محالة ليغطّي على كلّ شيء.
وإيقاعه المستمرّ لا يترك للمستمع مساحةً كافيةً لكي يتوقّف ويسأل:
هل ما قيل منطقي؟
هل هو صحيح؟
هل يمكن تطبيقه؟
وإذا طُبّق، فما النتيجة؟
هذه الأسئلة البسيطة هي التي نخاف منها.
لأنّها تقطع الإيقاع وتوقف التصفيق وتجبرنا على التفكير.
نعم، هذا نحن.
ولهذا لا يمكننا أن ننتظر نتيجةً مختلفةً ونحن نكرّر الطريقة نفسها.
فالنتيجة، في الكثير من الأحيان، تكون موجودةً في رؤوسنا منذ البداية.
ثمّ عندما تصل إلينا، ننتفض منها ونتساءل:
كيف وصلنا إلى هنا؟
نتكلّم كثيرًا.
نتمنّى كثيرًا.
نشكو كثيرًا.
لكنّّنا نعمل قليلًا، ونفكّر قليلًا، ونراجع أنفسنا أقلّ.
نشكو من الغرب، ثمّ نستغرب كيف وصل الغرب إلى ما وصل إليه.
نبحث عن تفسيرٍ يريحنا فنجد المؤامرة جاهزة.
فالمؤامرة تفسير مريح؛ لأنّها لا تطلب منّا أن نراجع أنفسنا، ولا أن نغيّر طريقة تفكيرنا، ولا أن نعيد بناء مؤسّساتنا، ولا أن نبذل جهدًا إضافيًّا.
إنّها أسرع إجابةٍ وأبسط نتيجةٍ وأقلّ مجهود.
إنّه الدفّ من جديد.
نعود دائمًا إلى الدفّ.
لأنّ الدفّ لا يسأل ولا يناقش ولا يحلّل ولا يعترض ولا يغيّر الإيقاع.
فقط يقرع.
ونحن نرقص.
ربّما آن الأوان أن نتوقّف قليلًا عن الرقص.
أن نُسكت الدفّ.
أن نترك بين صرخةٍ وأخرى مساحةً للصمت.
ففي الصمت، ربّما نسمع أنفسنا.
وفي الهدوء، ربّما نكتشف أنّ المشكلة لم تكن دائمًا في الآخرين.
وربّما، إذا امتلكنا شجاعة النظر إلى المرآة، نكتشف أنّ أخطر ما في ثقافة الدفّ ليس أنّ هناك من يقرع... بل أنّ هناك دائمًا من يرقص.
هيًا لنرقص على إيقاع الدفّ، لعلّنا ننسى أنّنا تأخّرنا كثيرًا...
ولعلّنا لا نلاحظ أنّ القطار قد فاتنا.
م. أنطوني رزق