تفّاح الجبال يُباع بخسارة... مَن يُنصف مزارعي لبنان؟

ربيع داغر

في جبال لبنان، لا تبدأ حكاية التفّاح عند القطاف، بل مع أوّل براعم الربيع، حين يرعى المزارع أشجاره كأنّها رفيقة عمره، ويعتني بأرضه منتظرًا أن يجني ثمار أشهرٍ من العمل والتعب. لكنّ هذه العلاقة التي طالما جمعت المزارع بأرضه باتت مهدّدة؛ فبدل أن يكافئه الموسم على جهده، يجد نفسه أمام كلفة إنتاج مرتفعة وأسعار بيع لا تنصفه.

ففي الموسم الحالي كثير من المزارعين اضطرّوا إلى بيع محصولهم للتجّار بنحو 6 دولارات للصندوق، الذي يزن حوالى 23 كيلوغرامًا للتفّاح الأحمر و20 كيلوغرامًا للتفّاح الأبيض. وهو سعر لا يكفي، وفق شكاواهم، لتغطية نفقات التقليم والرشّ والتسميد والريّ والقطاف وأجور العمّال والنقل.

وتزداد المفارقة قسوةً عندما يحاول المزارع تخزين محصوله انتظارًا لتحسّن الأسعار. فكلفة تبريد الصندوق تصل، بحسب ما ينقله المزارعون، إلى نحو 9 دولارات؛ أي أكثر بثلاثة دولارات من سعر بيعه. وهكذا يصبح التخزين عبئًا يفوق قدرة كثيرين، فيما يعني البيع الفوري التخلّي عن ثمار تعبهم بسعر قد لا يعوّض كلفة إنتاجها.

بين البيع بخسارة والتخزين بكلفة أعلى من ثمن المحصول، يجد المزارع نفسه محاصرًا، بلا هامشٍ كافٍ للمناورة أو الانتظار. والأخطر أنّ استمرار هذه المعادلة لا يستنزف دخله فحسب، بل يهدّد علاقته بالأرض التي ورثها عن آبائه، وربّما أورثها لأبنائه.

هنا تكمن الخسارة الأعمق: أن يتحوّل المزارع من رفيقٍ لشجرته وصديقٍ لأرضه إلى غريبٍ عنها، ومن رجلٍ ينتظر الثمار بفخر إلى صاحب بستانٍ يعجز عن الاستفادة من محصوله. وحين يصبح التعب عبئًا والخسارة احتمالًا يتكرّر كلّ موسم، قد لا يبقى أمامه سوى تقليص زراعته أو هجر أرضه بحثًا عن مصدر رزقٍ آخر.

إنقاذ زراعة التفّاح لم يعد يحتمل التأجيل. والمطلوب ليس تعاطفًا موسميًّا، بل خطوات عملية تبدأ بدعم كلفة التبريد، وإنشاء برّادات تعاونية بأسعار مقبولة، وتطوير مراكز الفرز والتوضيب، وفتح أسواق تصدير جديدة، وتشجيع البيع المباشر والتصنيع الغذائي، إلى جانب تعزيز شفافية التسعير وضمان شروط أكثر عدلًا للمزارعين والأهمّ هو اعتماد سياسة حمائيّة لهذا الإنتاج من المضاربة الخارجيّة عبر الحدّ من الاستيراد المماثل.

فالتفّاح اللبناني ليس مجرّد ثمرة تُقطف وتُباع، بل رزق عائلات وذاكرة قرى وركيزة من ركائز اقتصاد الجبل. وحماية هذا القطاع تعني حماية الأرض وأهلها، وصون علاقةٍ إنسانية عميقة لا تختصرها حسابات الربح والخسارة.

ستّة دولارات ثمن الصندوق عند البيع، وتسعة دولارات كلفة تبريده! أمام هذه المعادلة، لا يجوز ترك المزارع وحيدًا في مواجهة الخسارة. المطلوب تحرّك عاجل يخفّف كلفة التخزين، ويفتح الأسواق، ويضمن سعرًا عادلًا يتيح للمزارع الاستمرار. فقبل أن يغترب المزارع عن أرضه، وقبل أن تتحوّل البساتين إلى حقولٍ مهجورة، من عليه أن يتحمّل مسؤوليّة إنقاذ تعب الأجيال وحماية مستقبل التفّاح اللبناني؟ والظاهر الجليّ أن لا أحد مستعدّ أو مهتمّ أو متحمّس للتحرّك؛ لا الدولة ولا البلديّات ولا الاتّحاد العمّالي؛ بل وحدها سواعد المزارعين التي كدّت وتعبت وقلبت الأرض رأساً على عقبٍ قد تستطيع تغيير الوضع برمّته من خلال تحرّكٍٍ صاخبٍ وواسعٍ يضمّ المزارعين من كلّ أنحاء لبنان - بناءً على دعواتٍ منظّمةٍ علىى وسائل التواصل الاجتماعي - للنّزول إلى الشوارع وممارسة ضغطٍ لا يكلّ ولا يتوانى من أجل مستقللٍ مختلف.