تنورين أمام ورشةٍ إنمائيّةٍ شاملة: المجلس البلديّ الجديد يُحوّل الوعود إلى نشاطٍ وإنجازات

يبدو أنَّ المجلس البلديّ الجديد في تنورين اختار، منذ انطلاقته، أن يقول لأبناء البلدة إنَّ العمل البلديّ لا يُقاس بكثرة الاجتماعات والبيانات، بل بما يُنجَز على الأرض، وما يتركه من أثرٍ في حياة الناس.
ففي مُدَّةٍ قصيرة، برز نشاط المجلس في أكثر من اتِّجاه، جامعًا بين الهمِّ الإنمائيّ والخدماتيّ، والاهتمام بالبيئة والسياحة، ودعم التربية والحياة الاجتماعيّة والثقافيّة، في محاولةٍ واضحةٍ لإعادة وضع تنورين على خريطة البلدات اللبنانيّة التي تستطيع أن تصنع من إمكاناتها الطبيعيّة والبشريّة مشروعًا تنمويًّا متكاملًا.
ومن أبرز الملفّات التي تحرَّك فيها المجلس ملفُّ ثانويّة تنورين الرسميّة، حيث ساهمت البلديّة في المبادرة إلى تأهيل المبنى وإجراء أعمال الصيانة والتصليحات اللازمة، بالتنسيق مع وزارة التربية، لتصبح الثانويّة جاهزةً لاستقبال التلامذة. وقد شملت الأعمال تجهيز المبنى ورفع مستوى جهوزيّته، في خطوةٍ اعتُبِرَت دفاعًا عن استمرار التعليم الرسميّ في البلدة.
وهنا تكمن أهمّيّة العمل البلديّ الحقيقيّ: فالبلديّة لا تكتفي بإدارة الشوارع والبُنى التحتيّة، بل تتدخّل حيثما تكون مصلحة أبناء البلدة ومستقبلهم على المحكّ.
وفي موازاة الملفّ التربويّ، يظهر الحضور البلديّ بقوّةٍ في الملفّ البيئيّ والعقاريّ.
فمحمية أرز تنورين ليست مجرّد مساحةٍ خضراء، بل إنّها واحدةٌ من أهمّ ثروات البلدة الطبيعيّة والسياحيّة. وقد برز دور رئيس البلديّة، المحامي ياسر نعمه، في رئاسة اللجنة التنفيذيّة للمحمية لثلاث سنوات بالتزكية.
كما تحرَّكت البلديّة في مواجهة ما وصفته بالتعدّيات على مشاعات تنورين، مؤكِّدةً تمسُّكها بحقوق البلدة في أراضيها، ومستندةً إلى أحكامٍ قضائيّةٍ قالت إنّها حسمت مسألة الحدود، ومطالبةً أجهزة الدولة بالمساعدة في تطبيق القانون وإزالة التعدّيات.
وفي مواجهة الحرائق التي اقتربت من محيط محمية أرز تنورين، أعلنت البلديّة أنّها تعمل بالتعاون مع الأجهزة المختصّة لمحاصرة النيران ومنع وصولها إلى غابة الأرز.
إنّها معركةٌ تتجاوز العمل البلديّ التقليديّ: معركة الحفاظ على الأرض والطبيعة والهويّة.
ويبدو أنَّ المجلس البلديّ يتعامل مع طبيعة تنورين وثروتها البيئيّة والتراثيّة باعتبارها فرصةً اقتصاديّة، وليست مجرّد منظرٍ جميل.
فقد نظّمت البلديّة النسخة الثانية من مهرجان تنورين للنبيذ في ساحة دير حوب، بمشاركة نحو 15 منتجًا للنبيذ من مختلف المناطق اللبنانيّة، إلى جانب عروض الموسيقى والفنون والمأكولات المحليّة. وأكَّدت لجنة المهرجانات أنَّ الهدف هو تثبيت المهرجان كموعدٍ سنويّ يساهم في تنشيط الحركة السياحيّة والاقتصاديّة والتعريف بمنتجات المنطقة ومقوّماتها.
كما أطلقت البلديّة نشاط Tannourine Meets The Sky بالقرب من محمية أرز تنورين، في تجربةٍ تجمع الطبيعة بالسياحة الفلكيّة، وتدعو الناس إلى مراقبة النجوم في سماء تنورين.
وهذه الأفكار، وإن بدت بسيطةً في ظاهرها، لكنّها تحمل دلالةً مهمّة: تحويل تنورين من بلدةٍ تستقبل الزوّار في موسم الصيف إلى وجهةٍ سياحيّةٍ على مدار العام.
وإنَّ العمل البلديّ في تنورين لا يتحرَّك في اتِّجاهٍ واحد؛ فهناك اهتمامٌ بإشراك الشباب في الحياة العامّة، من خلال تجربة مجلس شباب تنورين التي هدفت إلى تعزيز الحوار بين البلديّة والشباب وإعطاء الجيل الجديد مساحةً للمشاركة في القرار والعمل التنمويّ والاجتماعيّ.
وهذا النوع من المشاركة يمكن أن يشكِّل عنصرًا أساسيًّا في بناء بلديّةٍ حديثة، لأنَّ البلدة لا تُبنى فقط بقرارات المجلس البلديّ، وإنّما بتضافر البلديّة مع شبابها ومثقَّفيها ومغتربيها وأصحاب المؤسَّسات والمزارعين وأهلها في الداخل والخارج.
ولا شكَّ في أنَّ الفترة الأولى من عمل أيِّ مجلسٍ بلديّ تكون مليئةً بالتحدّيات، ولا يمكن الحكم على تجربةٍ كاملةٍ من خلال بضعة أشهرٍ أو مجموعةٍ من النشاطات.
لكن ما يظهر حتّى الآن في تنورين يستحقّ التوقّف عنده.
فهناك حضورٌ في التربية، وحضورٌ في البيئة، وتحرُّكٌ في ملفّ المشاعات، ونشاطٌ سياحيّ وثقافيّ، واهتمامٌ بالشباب، ومحاولةٌ لإعادة تنشيط الحياة العامّة.
وإذا استطاع المجلس أن يحافظ على هذه الوتيرة، وأن يحوِّل المبادرات الموسميّة إلى مشاريع مستدامة، فقد تكون تنورين أمام مرحلةٍ جديدةٍ من العمل البلديّ، عنوانها الانتقال من إدارة الواقع إلى صناعة المستقبل.
فالثروة الحقيقيّة لتنورين ليست فقط في أرزها وجبالها وطبيعتها، ولا في تاريخها وتراثها، بل في قدرتها على تحويل هذه العناصر كلّها إلى مشروعٍ إنمائيّ متكامل.
وفي النهاية، يبقى المعيار الأهمّ بسيطًا: ماذا سيجد المواطن التنّوريّ بعد سنواتٍ من الآن؟
إذا وجد بلدةً أكثر نظافةً، وأكثر جمالًا، وأكثر حمايةً لبيئتها، ومدارسها قائمةً، وشبابها مشاركين، وسياحتها مزدهرةً، وأراضيها مصانةً، واقتصادها المحليّ أكثر حركةً، عندها فقط يمكن الاستمرار في القول إنَّ المجلس البلديّ ينجح في تحويل النشاط إلى إنجاز، والوعود إلى واقع.
ربيع داغر