عُمّال البترون... يوميّات البحث عن راتبٍ يكفي وعن حياةٍ لها مستقبل

ربيع داغر
في منطقة البترون، كما في كلّ أنحاء لبنان، لا تقتصر حكاية العامل على مَن يقف خلف آلةٍ في مصنعٍ أو يعمل في ورشةٍ أو مؤسّسةٍ إنتاجيّة. فمفهوم العامل اليوم بات أكثر اتّساعًا، ليشمل الموظّف في الشركة، والعامل في المؤسّسة التجاريّة، والموظّف الإداري، والعامل في المصانع والمعامل، وسائق التوصيل، والعامل في المطاعم والفنادق، وكلّ مَن يستبدل جزءًا كبيرًا من وقته وجهده براتبٍ ينتظر أن يؤمّن له ولعائلته الحدّ الأدنى من الاستقرار.
ويتوزّع هؤلاء على مساحةٍ جغرافيّةٍ واسعة. فمن البترون إلى شكّا وسلعاتا وتنّورين، وصولًا إلى قرى وبلدات القضاء، ثمّ إلى جبيل وكسروان وبيروت، يعيش آلاف العاملين يوميًّا رحلة العمل التي لم تعد تُقاس فقط بعدد ساعات الدوام، بل أيضًا بكلفة الانتقال، وغلاء المعيشة، وارتفاع أسعار السلع والخدمات، ومدى قدرة الراتب على الصمود أمام هذه الأعباء.
قد تختلف طبيعة العمل بين موظّفٍ في شركة، وعاملٍ في مصنع، وموظّفٍ إداري، أو تقني، أو ممرّض، أو عاملٍ في قطاع الخدمات، لكنّ القاسم المشترك بينهم هو الشعور المتزايد بأنّ الراتب لم يعد يواكب متطلّبات الحياة.
فالعامل الذي يتقاضى راتبًا شهريًّا يجد نفسه أمام لائحةٍ طويلةٍ من المصاريف الثابتة: النقل، والطعام، والطبابة، والتعليم، والفواتير المتعدّدة، والإيجار أو أقساط السكن، إضافةً إلى مصاريف عائليّة طارئة يصعب التنبّؤ بها.
وإذا كان العامل يتوجّه يوميًّا من منطقة البترون إلى مكان عمله في جبيل أو كسروان أو بيروت، فإنّ جزءًا من دخله يذهب، قبل أن يبدأ يومه العملي، إلى كلفة الطريق والوقود والصيانة، فضلًا عن الوقت الطويل الذي يستهلكه التنقّل.
وهكذا، لا يعود السؤال بالنسبة إلى كثيرين: «كم أتقاضى؟»، بل يصبح: «كم يبقى من راتبي بعد أن أدفع كلفة الوصول إلى عملي والعيش بالحدّ الأدنى؟».
إلى ذلك، فلطالما كانت البترون منطقةً تجمع بين النشاط الصناعي والتجاري والسياحي والخدماتي. وتبرز كلّ من شكّا وسلعاتا بصورةٍ خاصّة، بما تضمّانه من منشآتٍ صناعيّةٍ ومؤسّساتٍ وشركات، فيما يشكّل القطاع التجاري والخدماتي والسياحي في البترون، المدينة على وجه الخصوص، مصدرًا آخر لعددٍ كبيرٍ من فرص العمل.
ومن هنا، قد تجد العامل الذي يسكن في البترون ويعمل في شكّا، أو يسكن في تنّورين ويتوجّه إلى البترون، أو يغادر المنطقة يوميًّا باتّجاه جبيل وكسروان وبيروت أو طرابلس، بحثًا عن فرصة عملٍ أو راتبٍ أفضل.
لكنّ اتّساع رقعة البحث عن العمل لا يعني بالضرورة تحسّن ظروف العامل. ففي كثيرٍ من الحالات، تتحوّل المسافة الإضافيّة إلى عبءٍ جديد، يأكل من الراتب ويستهلك من وقت العامل وطاقته.
المشكلة الأساسيّة التي يكرّرها العاملون اليوم تتمثّل في الفجوة بين الراتب وكلفة المعيشة.
فحتّى عندما يحصل الموظّف على زيادةٍ في راتبه، سيجد أنّ الزيادة سرعان ما تذوب أمام ارتفاع أسعار الموادّ الغذائيّة، وكلفة النقل، وفواتير الكهرباء والمياه والمولّد، وكلفة المحروقات، إضافةً إلى الطبابة والتعليم وسائر الاحتياجات اليوميّة.
وهنا تظهر مشكلة أكثر عمقًا: القيمة الفعليّة للراتب، وليس رقمه فقط.
فالراتب الذي كان يسمح للعائلة بتأمين احتياجاتها الأساسيّة، وربّما بتوفير جزءٍ منه، أصبح، في حالاتٍ كثيرة، يُستهلك بالكامل قبل نهاية الشهر. أمّا الادّخار، الذي كان يُنظر إليه بوصفه وسيلةً للأمان والاستقرار، فقد أصبح بالنسبة إلى شريحةٍ كبرى من العاملين أمرًا بالغ الصعوبة.
ولا تتوقّف معاناة العامل عند حدود الراتب. فهناك أيضًا ساعات العمل، والضغط النفسي، والتنقّل اليومي، وعدم الاستقرار الوظيفي، والخوف من فقدان الوظيفة.
العامل لا يعمل فقط خلال الساعات المحدّدة في عقده؛ فهناك وقت التحضير، والتنقّل، والعودة، والاتّصالات خارج أوقات الدوام في بعض المهن، فضلًا عن الضغوط التي تراكمها بيئة العمل.
وبينما يحتاج العامل إلى العمل ليؤمّن معيشته، يحتاج في الوقت نفسه إلى وقتٍ للراحة والعائلة والصحّة والحياة الشخصيّة. إلّا أنّ المعادلة تصبح أكثر صعوبةً عندما يضطرّ إلى العمل لساعاتٍ إضافيّةٍ أو إلى الجمع بين أكثر من عملٍ لتأمين دخلٍ مقبول.
وربّما تكون الوضعيّة الأكثر قسوةً بالنسبة إلى العامل اللبناني هي غياب الإحساس بالمستقبل.
فالعامل لا يريد فقط راتبًا يكفيه حتّى نهاية الشهر، بل يريد أيضًا أن يعرف ماذا سيحدث بعد سنةٍ أو خمس سنوات. يريد ضمانًا نسبيًّا لاستمراره في عمله، وفرصةً للتقدّم، وزيادةً في الدخل تكون مرتبطةً بالخبرة والكفاءة، وتعويضًا عادلًا عن سنوات العمل، وضمانًا اجتماعيًّا وصحيًّا يؤمّن له الحدّ الأدنى من الأمان.
لكنّ كثيرًا من العاملين يجدون أنفسهم في وضعٍ مهنيٍّ لا يتيح لهم التخطيط طويلًا. فلا يعرف الموظّف أحيانًا إن كان راتبه سيتحسّن، ولا إن كانت مؤسّسته ستستمرّ بالوتيرة نفسها، ولا إن كان قادرًا على شراء منزل، أو تأمين تعليم أولاده، أو بناء مدّخرات للمستقبل.
وهنا يتحوّل العمل من وسيلةٍ لبناء الحياة إلى وسيلةٍ لتأمين استمرارها من شهرٍ إلى آخر.
وتبرز هذه المشكلة بصورةٍ خاصّة لدى الشباب.
فالشابّ الذي يدخل سوق العمل في منطقة البترون أو ينتقل منها إلى مناطق أخرى، يبدأ حياته المهنيّة بأحلامٍ طبيعيّة: الاستقلال، وتأسيس عائلة، وامتلاك منزل، وشراء سيّارة، وربّما إنشاء مشروعٍ صغير.
لكن عندما لا يتناسب الراتب مع كلفة هذه الخطوات، يصبح تحقيقها مؤجّلًا عامًا بعد عام.
وهنا قد يجد شابٌّ في الثلاثين من العمر أو أكثر نفسه لا يزال يعيش مع عائلته، أو عاجزًا عن الادّخار، أو مضطرًّا إلى العمل خارج اختصاصه، أو إلى الجمع بين وظيفتين، هذا عدا عن البطالة التي قد يجد نفسه فريسةً لها في أيّ ظرف؛ فيما يبقى خيار الهجرة حاضرًا بقوّةٍ باعتباره طريقًا محتملًا للخروج من هذا الواقع.
وفي ظلّ الأوضاع الاقتصاديّة الصعبة، يصبح الاستقرار الوظيفي مطلبًا لا يقلّ أهميّةً عن الراتب.
فالعامل يريد أن يعرف حقوقه، وأن يحصل على تعويضات عادلة، وأن تكون لديه فرصة حقيقيّة للتطوّر داخل المؤسّسة، وأن يتمّ تقييمه على أساس الكفاءة والخبرة، لا أن يبقى سنواتٍ طويلةً في الموقع نفسه من دون زيادةٍ تتناسب مع تطوّر مسؤوليّاته.
وفي المقابل، تحتاج المؤسّسات نفسها إلى عاملٍ مستقرٍّ يشعر بأنّ جهده مقدّر، لأنّ استقرار الموظّف يمكن أن ينعكس على الإنتاجيّة والاستمراريّة.
ومن هنا، فإنّ العلاقة بين العامل وربّ العمل لا ينبغي أن تُختصر في قيمة الراتب فقط، بل أن تنتظم في منظومةٍ متكاملةٍ من الحقوق والواجبات والحوافز والضمانات.
وإذا كانت هذه الصورة تظهر بوضوحٍ في البترون كمنطقة، فإنّها ليست معزولةً عن الواقع اللبناني العامّ.
فالعامل اللبناني، أينما كان، يواجه، منذ سنوات، تحدّياتٍ متراكمة: تراجع القدرة الشرائيّة، واضطراب سوق العمل، وارتفاع كلفة الخدمات الأساسيّة، وضعف الحماية الاجتماعيّة، والهجرة التي تستنزف جزءًا من الطاقات الشابّة.
ولذلك، فإنّ قضيّة عمّال البترون ليست قضيّةً محليّةً بالمعنى الضيّق، بل إنّها جزءٌ من قضيّةٍ أوسع تتعلّق بمستقبل العمل في لبنان، وبقدرة الاقتصاد على توفير وظائف لائقة تتيح للإنسان أن يعيش من عمله، لا أن يعمل فقط لكي يبقى على قيد الحياة.
ولربّما تحتاج النظرة إلى العامل اللبناني اليوم إلى إعادة صياغة كاملة؛ فالعامل ليس مجرّد رقمٍ في جدول الرواتب، والموظّف ليس مجرّد شخصٍ يحضر إلى مكتبه وينصرف عند انتهاء الدوام. فخلف كلّ راتبٍ هناك عائلة، وخلف كلّ وظيفةٍ تختفي سنواتٌ من الدراسة والتدريب والخبرة، وخلف كلّ عاملٍ أحلامٌ شخصيّة تتعلّق بالسكن والزواج والتعليم والصحّة والاستقرار.
وفي منطقة البترون، كما في سائر المناطق اللبنانيّة، يبقى السؤال الحقيقي: هل يستطيع العمل أن يعيد إلى الإنسان إحساسه بالأمان وبإمكانيّة بناء المستقبل؟
ففي كلّ الأحوال، تبقى حكاية العامل واحدة، وإن اختلف مكان العمل وطبيعته: راتبٌ يحاول أن يلاحق الأسعار، ووقتٌ يضيع على الطرقات، ومسؤوليّاتٌ تكبر، ومستقبلٌ أقلّ وضوحًا.