محدودو الدخل... مَن يحميهم من الانهيار بعد شهر على بدء العام الدراسي؟

ربيع داغر
لم يعد ممكناً التعامل مع الأزمة المعيشية في لبنان وكأنّها مجرّد ضائقة اقتصادية عابرة، أو مرحلة صعبة ستنتهي مع مرور الوقت. فبعد شهر واحد على انطلاق العام الدراسي. وما تركه من أعباء بفعل المصاريف والتكاليف الكبيرة والأقساط المستحقّة والمؤجّلة، بدأت تتكشّف مجدّداً حقيقة الواقع الذي تعيشه العائلات اللبنانية، حيث تتراكم الأعباء، وتتآكل المداخيل، ويصبح تأمين أبسط مقوّمات الحياة معركة يومية لا يملك كثيرون ترف الانسحاب منها.
صحيح أنّ التراجع الاقتصادي وانخفاض القدرة الشرائية يطاولان مختلف الشرائح الاجتماعية، من الموظفين والعمال وأصحاب المهن الحرة وصولاً إلى مالكي المصانع وأصحاب المؤسسات التجارية والشركات المتوسطة والكبيرة، بفعل تراجع الاستهلاك وضعف الحركة التجارية. لكنّ محدودي الدخل يبقون الفئة الأكثر إنهاكاً وعجزاً عن مواجهة هذا الواقع، لأنّ هامش المناورة لديهم شبه معدوم، ولأنّ دخلهم لا يترك لهم مجالاً لامتصاص أي زيادة جديدة في النفقات.
ومَن هم محدودو الدخل؟ إنّهم الموظفون الذين يتقاضون رواتب متدنية لا تتناسب مع كلفة المعيشة، والعمال اليوميون، وأصحاب المهن الصغيرة، والمتقاعدون الذين يعيشون على معاشات محدودة، والعائلات التي تعتمد على راتب واحد، كما العاطلون عن العمل أو الذين لا يملكون دخلاً ثابتاً. إنّهم جميعاً أولئك الذين لا تكفي مداخيلهم لتغطية الحاجات الأساسية من غذاء وسكن وكهرباء وطبابة وتعليم ونقل، من دون الاضطرار إلى الاستدانة أو الاستغناء عن بعض الضروريات.
هؤلاء لا يتحدّثون عن رفاهية مفقودة، ولا عن رحلات سياحية أو سهرات أو موائد في المطاعم. إنّهم يتحدّثون عن القدرة على شراء الطعام، وتسديد إيجار المنزل، وتأمين الدواء، ودفع أقساط المدارس، وشراء الكتب والدفاتر، وتوفير كلفة انتقال أولادهم إلى مدارسهم وجامعاتهم. إنّهم الذين يعيشون حياة محكومة بالحسابات الدقيقة، حيث يصبح أيّ إنفاق إضافي عبئاً، وأيّ ظرف طارئ تهديداً لاستقرار الأسرة.
والأكثر قسوةً أنّ هؤلاء لا يملكون القدرة على تأجيل احتياجاتهم الأساسية أو التكيّف مع ارتفاع الأسعار إلى ما لا نهاية. فالمطعم بالنسبة إليهم ليس مكاناً للترفيه، بل أصبح ترفاً بعيد المنال، والنزهة العائلية عبئاً إضافياً، وحتى زيارة الأقارب أو الخروج في عطلة نهاية الأسبوع باتت أموراً تخضع لحسابات الجيب.
إنّ ما يحصل ليس مجرّد تراجع في مستوى المعيشة، بل تآكل تدريجي لكرامة الإنسان وقدرته على العيش بحدّ أدنى من الأمان والاستقرار. ولا يجوز أن يتحوّل الفقر إلى قدر، ولا أن يصبح الصمت عن انهيار القدرة الشرائية أمراً طبيعياً، فيما تتسع الفجوة بين المداخيل وكلفة الحياة.
إنّ السؤال لم يعد فقط كيف يستطيع المواطن الصمود، بل إلى متى يُترك وحيداً في مواجهة هذه الأعباء؟ وأين السياسات الاجتماعية والاقتصادية التي تحمي أصحاب الرواتب المحدودة؟ وأين الرقابة على الأسعار، وأين العدالة في الأجور، وأين مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها؟ والأساس هو السؤال عن دور النقابات العمّليّة والمهنيّة والاتّحاد العمّالي؟
محدودو الدخل لا يطلبون امتيازات، ولا ينتظرون صدقات أو مساعدات موسمية، بل يطالبون بحقّهم في حياة كريمة، وبأجور تتناسب مع كلفة المعيشة، وباقتصاد لا يجعل العمل عقوبة، ولا يحوّل الراتب إلى مجرّد رقم ينتهي قبل منتصف الشهر.
فحين يصبح العمل عاجزاً عن تأمين أبسط متطلبات الحياة، لا تكون المشكلة في المواطن الذي لا يعرف كيف يتدبّر أموره، بل في منظومة اقتصادية واجتماعية فقدت قدرتها على حماية الإنسان.
إنّ أخطر ما يمكن أن تصل إليه البلاد ليس الفقر وحده، بل أن يعتاد الناس عليه، وأن يصبح العجز عن تأمين أبسط الحقوق مشهداً يومياً لا يثير غضب أحد.