ماركسيّ... ليس على الطريقة اللبنانيّة

بقلم ربيع داغر
بعد أن تراجع شبح الماركسيّة عن العالم، وسقطت أنظمة رفعت اسمها شعارًا وحوّلته، في كثير من الأحيان، إلى عقيدة سياسيّة مغلقة، قد يبدو غريبًا أن تلتقي في بيروت شخصًا لا يزال يعرّف عن نفسه بأنّه ماركسيّ.
لكنّ الغريب، بالنسبة إليّ، لم يكن أن ألتقي رجلًا يحمل هذا الوصف، بل أن أكتشف أنّه مختلف عن الصورة التقليديّة التي عرفناها عن اليسار اللبنانيّ.
التقيته في بيروت، وفي البداية ظننته واحدًا من أولئك الذين ما زالوا يعيشون في زمن الحرب الباردة، ويحفظون أدبيّات اليسار القديمة، وينظرون إلى العالم من خلال ثنائيّة اليمين واليسار، أو الشرق والغرب.
لكنّني اكتشفت سريعًا أنّ الأمر مختلف.
هو ماركسيّ، نعم، لكنّه ليس ماركسيًّا على الطريقة اللبنانيّة.
ليس عونيًّا، ولا تابعًا لزعامة سياسيّة تحت عنوان اليسار، ولا متعصّبًا لطائفة. لا يبحث عن الانتماء المذهبيّ لتفسير السياسة، ولا يستخدم هذه الفلسفة غطاءً لموقف طائفيّ.
وهو أيضًا لا ينخرط في الصراع السنّي الشيعيّ، ولا يرى أنّ على المثقّف أن يختار طرفًا مذهبيًّا كي يثبت موقعه السياسيّ.
والأغرب بالنسبة إليّ أنّه لا يتعامل مع روسيا بوصفها الوريث الطبيعيّ لمشروع ماركس، ولا يرى في الإمبراطوريّة الروسيّة الأرثوذكسيّة نموذجًا ينبغي الدفاع عنه لمجرّد أنّها تقف في مواجهة الغرب.
كان يتحدّث عن صاحب «رأس المال» بطريقة مختلفة تمامًا.
بالنسبة إليه، لم يكن ماركس صورةً معلّقةً على جدار، ولا تمثالًا أيديولوجيًّا، ولا كتابًا مقدّسًا.
كان أداةً لفهم المجتمع قبل أن يكون رايةً سياسيّة.
وهنا بدأ الحوار يأخذ منحًى آخر.
ماركس بعيدًا عن الأحزاب
سألته: كيف يمكن أن تكون ماركسيًّا اليوم، بعدما تغيّر العالم بهذه السرعة؟
ابتسم وقال إنّ سقوط التجارب التاريخيّة التي رفعت اسم الاشتراكيّة لا يعني بالضرورة سقوط الأسئلة التي دفعت ماركس إلى التفكير والكتابة.
فالعلاقة بين رأس المال والعمل لم تختفِ.
والفوارق في الثروة لم تختفِ.
والسؤال عن مَن يملك وسائل الإنتاج، ومَن يملك القرار الاقتصاديّ، وكيف تتحوّل الثروة إلى نفوذ سياسيّ واجتماعيّ، لا يزال حاضرًا.
لكنّه يرفض أن تتحوّل هذه الأسئلة إلى عقيدة مغلقة.
فصاحب «رأس المال»، في نظره، كان ناقدًا للرأسماليّة قبل أن يكون مؤسّسًا لمدرسة سياسيّة. ولذلك يمكن قراءة أعماله، ومناقشتها، وحتى رفض بعضها، من دون تحويله إلى مرجع معصوم.
وهنا تحديدًا تكمن المسافة بينه وبين الماركسيّة الحزبيّة.
ماذا بقي من المفاهيم الماركسيّة؟
ربّما كان هذا الجانب الأكثر إثارةً في حديثه.
فهو لا يرى أنّ قيمة ماركس اليوم تكمن في محاولة إعادة إنتاج النظام الذي عرفه القرن العشرون، بل في بعض المفاهيم التي قد تساعد على قراءة عالم تغيّر كثيرًا منذ زمنه.
من هذه المفاهيم الصراع الطبقيّ، لا بمعناه الحزبيّ الضيّق، بل بوصفه سؤالًا عن تضارب المصالح بين من يملكون الثروة ووسائل الإنتاج ومن يعتمدون على بيع قوّة عملهم.
وهناك مفهوم فائض القيمة، أي الفكرة التي تقول إنّ العامل ينتج قيمةً أكبر من الأجر الذي يحصل عليه، وأنّ الفرق بينهما يرتبط ببنية الملكيّة وتحقيق الربح.
وهناك أيضًا مفهوم الاغتراب، وهو من أكثر أفكاره إثارةً للاهتمام؛ فالإنسان قد يعمل ساعات طويلة في نشاط لا يشعر أنّه يعبّر عنه، فيصبح العمل الذي يُفترض أن يكون جزءًا من حياته مصدرًا للانفصال عن ذاته.
ثم هناك تشييء الإنسان، حين تتحوّل العلاقات البشريّة تدريجيًّا إلى علاقات تحكمها قيمة الأشياء والسوق والمال، فيُنظر إلى الإنسان أحيانًا من خلال قدرته على الإنتاج والاستهلاك لا من خلال إنسانيّته.
وهذه المفاهيم لا تحتاج بالضرورة إلى الإيمان بكلّ ما قاله ماركس كي تثير أسئلةً جديّة.
فحتّى في عالم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعيّ والعمل عن بُعد والشركات العملاقة، يبقى السؤال قائمًا: مَن يملك أدوات الإنتاج الجديدة؟ ومن يملك البيانات؟ ومن يستفيد من القيمة التي ينتجها ملايين البشر؟
هنا يصبح ماركس أقلّ ارتباطًا بصورة المطرقة والمنجل، وأكثر ارتباطًا بسؤال اقتصاديّ وإنسانيّ قديم ومتجدّد: كيف تتوزّع القوّة والثروة داخل المجتمع؟
لا يبحث عن معسكر
في لبنان، كثيرًا ما تتحوّل الأفكار السياسيّة إلى هويّات، ثم تتحوّل الهويّات إلى معسكرات.
قد يبدأ الإنسان من فكرة اقتصاديّة أو فلسفيّة، ثم يجد نفسه بعد سنوات داخل اصطفاف سياسيّ أو طائفيّ كامل.
أمّا هو، فيبدو حريصًا على ألّا يقع في هذا الفخّ.
لا يريد أن يكون جزءًا من محور لمجرّد أنّ محورًا آخر يعارضه.
ولا يرى أنّ معارضة الولايات المتّحدة تعني تلقائيًّا تأييد روسيا، كما لا يرى أنّ رفض السياسة الروسيّة يعني بالضرورة تبنّي السياسة الأميركيّة.
بالنسبة إليه، السياسة ليست مباراة كرة قدم.
ليس عليك أن تشجّع الفريق المقابل لمجرّد أنّك لا تحبّ الفريق الأوّل.
قد تبدو الفكرة بسيطة، لكنّها في لبنان ليست دائمًا كذلك.
ماركس والإنسان
الأكثر إثارةً في حديثه أنّ اهتمامه لا يبدأ وينتهي عند الاقتصاد.
كان يتحدّث عن الإنسان.
عن الاغتراب، وعن علاقته بعمله، وعن الطريقة التي يمكن أن يتحوّل بها النشاط الإنسانيّ إلى مجرّد وسيلة للبقاء، وعن المجتمع الذي قد يجد الإنسان نفسه فيه مجرّد رقم داخل آلة اقتصاديّة ضخمة.
وهنا شعرت أنّني لا أستمع إلى شخص يعيش في القرن التاسع عشر، بل إلى إنسان يحاول استخدام أسئلة قديمة لفهم عالم جديد.
هو لا يقول إنّ ماركس يملك كلّ الأجوبة.
بل يقول إنّ بعض الأسئلة التي طرحها لا تزال تستحقّ أن تُطرح.
وهناك فرق كبير بين الأمرين.
ماركسيّ بلا عصبيّة
ربّما كانت أكثر الصفات التي لفتتني فيه أنّه لا يتعامل مع قناعاته بعصبيّة.
يمكنك أن تختلف معه من دون أن يتحوّل النقاش إلى خصومة.
لا يرفع صورة ماركس في وجهك كي ينهي الحوار، ولا يستخدم أسماء المفكّرين كسلطة تمنحه الحقّ في الكلام.
يقرأ ماركس، لكنّه يقرأ أيضًا من يخالفه.
يناقش الرأسماليّة، لكنّه لا يتجاهل إخفاقات الأنظمة التي قامت باسم الاشتراكيّة.
ويرفض الرأسماليّة المتوحّشة، لكنّه لا يرى أنّ رفضها يستدعي إلغاء الحرّيّة الفرديّة.
وهنا يبدو أقرب إلى قارئ نقديّ للتراث الماركسيّ منه إلى عضو في عقيدة حزبيّة مغلقة.
لماذا «ليس على الطريقة اللبنانيّة»؟
لأنّ المشكلة في لبنان ليست دائمًا في الأفكار نفسها، بل في الطريقة التي نضع بها الأفكار داخل طوائف ومعسكرات.
قد يكون الإنسان يساريًّا، لكن يساريّته تصبح مرتبطةً بطائفته.
وقد يكون قوميًّا، لكن قوميّته تصبح مرتبطةً بزعامته.
وقد يكون ليبراليًّا، لكن ليبراليّته تصبح مرتبطةً بمحور سياسيّ.
حتّى الأفكار التي يُفترض أن تتجاوز الطوائف تتحوّل عندنا أحيانًا إلى أدوات جديدة للانقسام.
أمّا هذا الرجل، فقد حاول أن يُبقي قناعته في مكانها الطبيعيّ: فكرةً قابلةً للنقاش والنقد والتطوير، لا هويّةً طائفيّةً جديدة.
ولذلك بدا لي مختلفًا عن الصورة المعتادة.
ربّما لأنّه لم يبحث في ماركس عن قبيلة سياسيّة جديدة.
وربّما لأنّه فهم أنّ قيمة أيّ فلسفة لا تكمن في عدد الذين يرفعون شعارها، بل في قدرتها على دفع الإنسان إلى طرح أسئلة أكثر عمقًا عن نفسه وعن المجتمع الذي يعيش فيه.
وفي بيروت، حيث كثيرًا ما تتحوّل الأفكار إلى هويّات، كان من اللافت أن ألتقي شخصًا يريد أن يحتفظ بقناعته فكرةً، لا أن يحوّلها إلى راية.
هو ماركسيّ، نعم. لكن ليس لأنّه وجد في الماركسيّة معسكرًا ينضمّ إليه؛ بل لأنّه وجد فيها، رغم كلّ ما جرى لها في التاريخ، أسئلةً لم يجد أنّ العالم انتهى من الإجابة عنها.