من مواجهة الأزمات إلى تطوير الخدمات الطبيّة وتحديث التجهيزات: مستشفى تنورين الحكومي يواصل مسيرة النهوض
مستشفى تنورين الحكومي هو أحد الصروح الاستشفائيّة الناجحة في لبنان لا بل المتنيّزة بين المستشفيات العامّة والخاصّة على حدٍّ سواء؛ فالمستشفى الذي تأسّس أواخر التسعينيّات وانطلقت مسيرته عندما تمّ افتتاحه برعاية وحضور وزير الصحّة آنذاك سليمان فرنجيّة وبرئيس مجلس إدارةٍ ومديرٍ عامٍّ له هو الدكتور وليد حرب؛ استطاع أن يشقّ طريقه في العمل الاستشفائي على أحسن ما يرام. وكان للدكتور وليد حرب فضل كبير وجهد متواصل في إرساء هذا الوضع المميّز لمستشفى تنورين وإعطائه صيتاً (في النجاح والاستمراريّة وابتكار الحلول) على صعيد لبنان أجمع. فمنذ تسلّمه الإدارة عام 1999 والدكتور وليد حرب مثابر على عمله ومواظب على كافّة شؤون المستشفى من صغيرها إلى كبيرها لتأمين جميع الحاجيّات وبخاصّةٍ البشريّة منها؛ إيماناً منه بأهميّة العنصر البشري وأولويّته على ما عداه. إلى ذلك فإنّه لم يتوقّف عن السعي لتأمين التجهيزات اللازمة والمعدّات المطلوبة للمؤسّسة؛ متوجّهاً إلى كلّ من يستطيع ذلك في لبنان وخارجه؛ فلم يكن يبالي بالتعب والمجهود الذاتي بل يسعى بلا كللٍ لرفع شأن المستشفى وكلّ من فيه. وبذلك استطاع الدكتور حرب أن يؤمّن لمستشفى تنورين الحكومي - وعلى مدى أكثر من عقدين من السنين - استقراراً واستمراراً وتطويراً بالرغم من الصعوبات والأزمات المختلفة؛ إلى أن تسلّمت السيّدة ميراي يوسف إدارة المستشفى منذ أربعة أعوام. في حوارٍ معها تتحدّث مديرة مستشفى تنورين الحكومي، ميراي يوسف، عن التحدّيات التي واجهتها منذ تسلّمها الإدارة في تشرين الثاني 2022، وتستعرض أبرز الإنجازات في تطوير الأقسام والتجهيزات والخدمات، وتشرح المشاريع المستقبلية، وتفصّل مسيرة المستشفى منذ تأسيسه.
"س: كيف كانت الأوضاع في ظلّ الأزمة الإقتصاديّة التي حلّت بلبنان منذ عام 2019؛ وما كانت أولويّاتك؟
ج: تسلّمت إدارة المستشفى في تشرين الثاني 2022، وسط أزمةٍ ماليّةٍ واقتصاديّةٍ خانقة، ونقصٍ في الكوادر الطبيّة والتمريضيّة، وارتفاعٍ في كلفة التشغيل وصعوبة تأمين الأدوية والمحروقات والمستلزمات. ركّزت منذ البداية على توفير الأدوية والغذاء للمرضى والمازوت لتشغيل المحرّك وبالتالي الأجهزة كافّة وكلّ ما يضمن استمرار العلاج بصورةٍ سليمة. كان هدفي ألّا يشعر المريض بحجم الأزمة. وقد شكّّلت هذه الأولويات محور عملنا خلال عامَي 2022 و2023.
س: ما هي أبرز الإنجازات التي خفّفت الصعوبات التشغيليّة؟
ج: من أهمّ الإنجازات ربط المستشفى بخطٍّ كهربائيٍّ يغذّي محطّة ضخّ المياه في تنورين ويؤمّن الكهرباء على مدار الساعة، باستثناء الانقطاعات الناجمة عن العواصف. قبل ذلك، كنّا نعتمد على المولدات ونشتري مازوتاً بكلفة تصل أحياناً إلى نحو 1500 دولارٍ يوميّاً لتشغيل غرف العمليّات والأجهزة والأكسجين. فساعدنا هذا الوفر المالي على شراء الأدوية وصيانة الأجهزة وتحسين المستشفى. ومن الأعمال المنجزة أيضاً صيانة محطّة توليد الأكسجين وأجهزة غسيل الكلى.
س: كيف تطوّر قسم غسيل الكلى؟
ج: بدأ القسم بتسعة أسرّةٍ وبدوامٍ صباحيٍّ واحد، وأصبح اليوم يستقبل نحو 30 مريضاً يخضعون لجلساتٍ منتظمة، وهو عدد يوازي ما تستقبله بعض المستشفيات الخاصّة المجاورة. تحقّق ذلك بجهود الطبيب والفريق التمريضي والتسهيلات الإداريّة. ومن المعروف أنّ غسيل الكلى هو علاج حيويّ لا يمكن للمريض تأجيله بلا مخاطر، لذا حرصنا على انتظام الجلسات. ونشكر وزارة الصحّة - والوزير بشكلٍ خاصّ - على تأمين بعض الفلاتر والمستلزمات التي خفّفت من الأعباء.
س: هل أعدتم تشغيل أقسامٍٍ كانت قد أُغلقت خلال الأزمة؟
ج: نعم. أعدنا افتتاح قسم الدرجة الأولى الذي أُغلق بسبب الأزمة وما كان يعانيه من النقص في الكادر التمريضي وتكاليف الكهرباء والتنظيف. وهو يضمّ تسعة أسرّة، ونستخدمه أساساً لعمليّات اليوم الواحد، خصوصاً جراحات العيون؛ إذ يدخل المريض صباحاً ويخرج في اليوم نفسه. وقد ساعد ذلك على تنظيم العمل الطبّي والإداري وعلى توفير الراحة والخصوصيّة للمرضى.
س: كيف حافظتم على الموظّفين في ظلّ الأزمة؟
ج: حافظنا على انتظام دفع الرواتب في الخامس من كلّ شهر، حتّى عندما واجهت مستشفيات أخرى صعوباتٍ في ذلك. وبالتعاون مع اللجنة الطبيّة، قدّمنا بعض الدعم للعاملين، وخصوصاً الجهاز التمريضي. فلكلّ موظّفٍ عائلة ومسؤوليات، والحفاظ على الكادر البشري لا يقلّ أهميّةً عن تأمين المعدات. أردنا أن يشعر الموظّفون بأنّ الإدارة تقدّر جهودهم.
س: ما أبرز الأجهزة الجديدة التي حصل عليها المستشفى في الأونة الأخيرة؟
ج: حصلنا، بالتعاون مع وزارة الصحّة وجهاتٍ دوليّةٍ (من بينها منظّمة الصحّة العالميّة والبنك الإسلامي للتنمية) على تجهيزاتٍ حديثة، أبرزها جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI)، الذي يشكّّل إضافةً مهمّةً للمنطقة، إذ كان يضطرّ كثيرون للتوجّه إلى طرابلس لإجراء هذا الفحص. بدأ المشروع في عهد الدكتور وليد حرب، ثمّ توقّف بسبب الأزمات وجائحة كورونا، وبعد ذلك أعدنا تحريكه. وصل الجهاز في أيلول 2025، وأنجزنا تعديلاتٍ هندسيّةً وتجهيزاتٍٍ لوضعه في مكانٍ مناسبٍ ووصله بالطاقة، ونحن اليوم في المرحلة النهائيّة من التحضير لتشغيله.
س: وماذا عن أجهزة التصوير الأخرى؟
ج: استبدلنا جهاز تصوير الثدي (ماموغرافي) المعطّل بجهاز ٍجديد؛ بمساعدة وزارة الصحة، وشاركنا في الحملة الوطنيّة للكشف المبكر عن سرطان الثدي، التي تتيح إجراء الماموغرافي مجاناً في المستشفيات الحكوميّة وفق البرنامج المعلن، ولا سيّما للنساء فوق سنّ الأربعين. كما حصلنا على جهاز تصويرٍ شعاعيٍّ جديد، وجهازٍ لقياس كثافة العظام، وجهاز إيكو حديث. وأجرينا التعديلات الهندسيّة اللازمة، فأصبح قسم الأشعة مجهّزاً - وبشكلٍ متكامل - بالخدمات التشخيصيّة الأساسيّة.
س: هل شهد مبنى المستشفى أعمال صيانة؟
ج: نفّذنا بالفعل أعمال صيانة وطلاء للمساحات الداخلية؛ وقد بدأنا أعمال التجديد خلال صيف 2026. أمّا الواجهات الخارجيّة فكانت قد جُدّدت في عهد الدكتور وليد حرب. ومن نافل القول إنّ النظافة والصيانة وحسن التنظيم جزء أساسي من جودة الرعاية.
س: ما أهميّة مشروع الطاقة الشمسيّة الذي تمّ تنفيذه في المستشفى؟
ج: نُفّذ المشروع بدعمٍ من برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي (UNDP). وقد بدأ التحضير له عام 2025، وتأخّر التنفيذ حتّى عام 2026 بسبب الطقس الجبلي. وبنهاية المطاف تمّ تركيب نحو 540 لوحاً شمسيّاً على سطح المستشفى وفوق موقف السيارات. تنتج الألواح طاقة كهرباءٍ نهاراً من دون بطاريّات تخزين، ونستخدم الشبكة والمولّدات في الأوقات الأخرى. ونتوقّع أن يخفّض المشروع فاتورة الكهرباء بنحو 50 في المئة.
س: هل أصبح موقف السيّارات مسقوفاً بفضل المشروع؟
ج: نعم، فبطبيعة الحال شكّلت الألواح فوق الموقف سقفاً يحمي السيّارات من الشمس والأمطار. وعلاوةً على ذلك فقد طلبنا من الجهة المانجة إعادة تأمين الإنارة (في مدخل المستشفى وموقف السيّارات)، وأبدت الجهة المنفّذة استعدادها لتركيب إنارةٍ مناسبةً تعمل بالطاقة الشمسيّة.
س: ما آخر الإنجازات وأحدثها؟ج: في هذا العام (2026) قدّمت الوحدة العسكريّة الإيطاليّة العاملة في لبنان وبالتعاون مع الجبش اللبناني ثلاثين سريراً كهربائيّاً ما جعل العدد المتوافر في المستشفى حاليّاً هو ستّة وثلاثون؛ ولا زال ينقصنا. وفيما خصّ لوازم الغرف الداخليّة (hotelerie) فقد جدّدناها بالكامل في هذا العام الجاري. س: وماذا عن الإنجازات المقبلة؟
ج: نسعى إلى إعادة تشغيل جهاز قسطرة القلب الذي كان يعمل ثمّ توقّف بسبب أعطالٍ تقنيّةٍ مرتبطةً بالقرص الصلب والذاكرة. الجهاز قديم ووصلنا سابقاً من أوستراليا، وأصبح تأمين قطعه صعباً. قدّمت طلباً إلى وزارة الصحّة للحصول على جهازٍ جديدٍ واستكملت الإجراءات، لكنّ ذلك يحتاج وقتاً. وفي الأثناء سنحاول إصلاح الجهاز الحالي.
س: هل يتحمّل المستشفى عادةً كلفة الإصلاحات والتحسينات المطلوبة؟
ج: نعم، ضمن الإمكانات المتاحة. لكنّ الاستعانة بالجهات الداعمة والهيئات المانحة لا غنى عنها؛ وعلى رأسها وزارة الصحّة". وهكذا يواصل مستشفى تنورين الحكومي مسيرته المكلّلة بالنجاح، منتقلاً من مرحلة مواجهة الأزمات وتأمين الاستمراريّة إلى مرحلةٍ أكثر تركيزاً على تحديث التجهيزات، وتوسيع الخدمات، وتحسين بيئة العمل، في محاولةٍ للحفاظ على موقعه كمرفقٍ صحيٍّ أساسيٍّ يخدم أبناء تنورين واابترون والمناطق المحيطة بها.